مستقبل من؟ الإدارة الموازية وإعادة تعريف الدولة في قانون جهاز "مستقبل مصر"
ورقة سياسات
أعدت هذه الورقة ندى عرفات، الباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وراجعها محمد رمضان ووائل جمال من وحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة.
نشرت الجريدة الرسمية في 26 يوليو 2026 نص القانون رقم 147 لسنة 2026 بإعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة كما صدق عليه رئيس الجمهورية، وبدأ العمل به في اليوم التالي.
جاء تصديق رئيس الجمهورية على القانون وصدوره بعد مسار برلماني متسارع؛ فقد أحال رئيس مجلس النواب مشروع الحكومة إلى لجنة مشتركة في 6 يوليو، لتقره اللجنة في جلستين فقط، ثم وافق عليه المجلس في جلستين عامتين أخريين خلال أقل من أسبوع.
يحظى جهاز "مستقبل مصر" بفضل القانون الجديد بتبعية مباشرة لرئيس الجمهورية، وكذلك باستقلال إداري وفني عن هيكل الحكومة والقواعد التي تنظم عملها وتدخلاتها في السوق. أيضًا منح القانون للجهاز أدوارًا متعددة كانت تاريخيًا موزعة بين جهات مختلفة؛ فنقل للجهاز اختصاصات وأصول تديرها وزارات وهيئات، وأنشأ تحت إدارته ذراعين ماليين؛ صندوقًا سياديًا استثماريًا، وآخر خدميًا للمشروعات الاجتماعية، ثم منح الجهاز وصندوقيه موازنات مستقلة عن الموازنة العامة للدولة، تُعد وتُعتمد وتُنفذ وتُراقب وفق قواعد داخلية، دون التقيد بالقوانين والنظم الحكومية، مع ترحيل فوائضها من عام إلى آخر، في انتهاك لمبدأ وحدة الموازنة العامة.
وتظهر الخصوصية والاستقلالية الممنوحة للجهاز - بدرجة أوضح- في مناطق التنمية المستدامة التي يحل فيها رئيس "مستقبل مصر" محل الوزير والمحافظ ورئيس الهيئة المعنية التي نُقل إليه اختصاصها معًا، محتكرًا بذلك أدوار المُنظِم والمُشغِّل والرقيب، عبر الجمع بين التخطيط والترخيص والاستثمار والتفتيش وتوقيع الجزاءات.
قبيل التصويت البرلماني النهائي، نشرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ورقة بعنوان "رقابة قاصرة واستثناءات بلا حدود"، تناولت فيها مشروع القانون بالنص الذي قدمته الحكومة وأقرتها اللجنة البرلمانية المشتركة. ورغم أن نص القانون النهائي شهد تعديلات برلمانية طفيفة أُدخِلت لتجاوز بعض الاعتراضات الإجرائية، فإن هذه التدخلات لم تمس الفلسفة الهيكلية للقانون، إذ أبقت على بنيته دون تغيير جوهري، بل وفتحت الباب لتوسيع صلاحيات الجهاز في مواضع أخرى.
وتسعى هذه الورقة لاستكمال تحليل نموذج الإدارة الذي رسخه القانون، سعيًا لفهم ما إذا كانت شرعنة وضع الجهاز تمثل تحديثًا مؤسسيًا محسوبًا لتنويع أدوات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، أم تكريسًا لنمطٍ متكرر في السياسة الاقتصادية المصرية، يعتمد على إنشاء مراكز قرار موازية تفرّغ الجهاز الإداري والوزارات من اختصاصاتها، وتتسع فيها صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب آليات وأجهزة المساءلة العامة. وتتتبع الورقة تداعيات هذا النموذج على بنية الوزارات والرقابة والمال العام، والإنفاق الاجتماعي، والمياه ومستقبل الأمن الغذائي، فضلًا عن المشكلات القانونية والمالية التي أضافها نص القانون النهائي.




