رقابة قاصرة واستثناءات بلا حدود: ورقة موقف حول مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة

كتبتها ندى عرفات الباحثة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية 

قدمت الحكومة إلى مجلس النواب في مطلع شهر يوليو الجاري -قبل أيام قليلة من فض دور انعقاده السنوي- مشروع قانون لإعادة تنظيم "جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة". وعلى الفور قرر رئيس المجلس في 6 يوليو إحالة المشروع إلى لجنة برلمانية مشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، ومكاتب لجان الخطة والموازنة، والشؤون الاقتصادية، والعلاقات الخارجية، والدفاع والأمن القومي، والصناعة، والزراعة والري والأمن الغذائي والثروة الحيوانية، والطاقة والبيئة، والإسكان والمرافق العامة والتعمير، والقوى العاملة، والتعليم والبحث العلمي، والتضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، والإعلام والثقافة والآثار، والسياحة والطيران المدني، والشؤون الصحية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والإدارة المحلية، والمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر. 

بعد يومين، وبنفس الاستعجال، اجتمعت هذه اللجنة المشتركة الضخمة التي ضمت 18 من اللجان البرلمانية على مدى يومين، وافقت خلالهما على المشروع بعد أن أدخلت العديد من التعديلات على مواده بالتوافق مع الحكومة وممثلي الجهاز، قبل أن يحال المشروع للمناقشة في أولى الجلسات العامة التالية لمجلس النواب.  

يرسخ مشروع القانون المقترح لتوغل "جهاز مستقبل مصر" المستمر في مختلف القطاعات الاقتصادية، وهو توسع بدأ خلال السنوات الأخيرة، ومازال مستمرًا حتى اليوم. لكن الجديد الذي يقدمه المشروع هو إسباغ الصفة القانونية على الممارسات المختلفة للجهاز في مختلف الملفات، من خلال إنشاء كيان اقتصادي وإداري ذي طبيعة خاصة، يستحوذ على الأصول العامة ولكنه يديرها بمنطق المال الخاص. 

يمنح النص الجهاز تبعية مباشرة لرئيس الجمهورية، واستقلالًا ماليًا وفنيًا وإداريًا؛ كما يجمع في يده سلطات التخطيط، ووضع القواعد، والترخيص، والتخصيص، والاستثمار وإدارة الأصول، والرقابة، والتحصيل. يضع هذا الجمع الجهاز في موقع الرقيب والمشغل في الوقت نفسه، ويفتح الباب لتداخل مؤسسي كان يفترض أن تضبطه قواعد رقابة وشفافية أوضح. ورغم أن مشروع القانون شهدت تعديلات واسعة داخل اللجنة البرلمانية المشتركة، فإن الفلسفة الحاكمة للجهاز ككيان واسع الصلاحيات لا تزال قائمة.

تقدم هذه الورقة تحليلًا لنطاق مشروع القانون الجديد، وما يخلقه من وضع استثنائي وغير مسبوق لجهاز لم يُنشر قرار إنشائه وتحديد اختصاصه في الجريدة الرسمية، منذ 2022 وحتى اليوم. تبدأ الورقة باستعراض ظهور الجهاز وتوسعه المطرد قبل تقديم مشروع قانون إعادة تنظيمه، ثم تستعرض مواد المشروع المقدم من الحكومة وما يثيره من إشكاليات تمس كلاً من الحوكمة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وبعدها تقدم تعليقًا على التعديلات التي وافقت الحكومة والجهاز على إدخالها أثناء جلستي المناقشة المنعقدتين باللجنة البرلمانية المشتركة. وتختتم الورقة بقائمة من التوصيات والتعديلات المقدمة للنواب قبل مناقشة المشروع (وإقراره المتوقع) في الجلسة العامة. 


 قبل القانون: صلاحيات استثنائية وتوسع مسبق 

 

لم يصل مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة إلى البرلمان ليؤسس كيانًا جديدًا من الصفر. كان الجهاز قد سبق القانون بسنوات من التوسع في الأرض والزراعة والغذاء والأسواق والعقارات، قبل أن تتاح للرأي العام صورة واضحة عن قرار تأسيسه، أو حدود اختصاصه، أو علاقته بالوزارات والهيئات التي تتداخل معه في الولاية. 

بدأ "مستقبل مصر" كمشروع لاستصلاح أراضٍ في الدلتا الجديدة، قبل أن يتحول في 2022 إلى جهاز مستقل بقرار جمهوري لم ينشر في الجريدة الرسمية حتى اليوم. خلال هذه الفترة، توسع المشروع من مساحة أولية قدرها نحو 200 ألف فدان إلى إدارة نحو 4.5 مليون فدان هي كامل مساحة مشروع الدلتا الجديدة، بعد انتقالها إليه من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، ثم امتد إلى أدوار اقتصادية وتنظيمية كانت موزعة تاريخيًا بين هيئات ووزارات عامة مختلفة. 

قبل وصول مشروع القانون إلى البرلمان، كان الجهاز قد تولى ملف استيراد القمح والسلع الاستراتيجية بعد عقود من إدارة هيئة السلع التموينية لهذا الدور، وشارك في استلام القمح المحلي من الفلاحين، وبدأ في منح موافقات استيراد الماشية وإدارة المزارع المحلية، وامتد دوره إلى إدارة عدد من البحيرات الكبرى، وإلى بورصة السلع المصرية، ومدخلات الإنتاج الزراعي. كما دخل في شراكات مع جهات حكومية وخاصة لتأسيس شركة لإنتاج تقاوي الخضر والفاكهة، وفي مشروعات لتطوير البنية الرقمية للقطاع الزراعي وتنظيم توزيع الأسمدة المدعمة على الفلاحين، وكذلك منافذ السلع الغذائية التابعة للحكومة.  وامتد توسع الجهاز إلى العقارات وسوق المال. فمن خلال شركة Nations of Sky، التي تقدم نفسها باعتبارها الذراع العقارية للجهاز، دخل "مستقبل مصر" في مشروعات سكنية وإدارية، من بينها Zomra East وSkyRidge في شرق القاهرة، إلى جانب مشاركته في مشروع "جريان" بالشراكة مع مطورين من القطاع الخاص. كما أنشأ الجهاز محفظة استثمارية في البورصة المصرية، واستحوذ باسمه على حصص في شركات مقيدة تعمل في قطاعات عديدة على رأسها العقارات والسياحة والصناعات الطبية والدواجن والزراعة والأغذية.

يأتي مشروع القانون ليمنح هذا التوسع إطارًا قانونيًا أكثر رسوخًا؛ إذ يقنن كيانًا توسع بالفعل في مساحات وملفات متعددة، ثم يمنحه أدوات قانونية أوسع للتحرك داخلها من خلال: تبعية مباشرة لرئيس الجمهورية، واستقلال مالي وفني وإداري، وصناديق سيادية وخدمية، وصلاحيات واسعة في التخطيط والترخيص والاستثمار وإدارة الأصول والرقابة والتحصيل.


تقنين الاستثناء وتوسيعه: مشروع القانون المقدم من الحكومة 

 

يستهدف مشروع القانون المقدم من الحكومة تقنين وتوسيع الاستثناءات التي يتمتع بها جهاز "مستقبل مصر" حالياً، بل يفتح الباب أمام المزيد من التوسع في نطاق الصلاحيات في المستقبل دون تحديد أو رقابة. ويقنن المشروع تركيز قائمة طويلة من الصلاحيات في يد كيان واحد، ويستثنيه من قوانين كالإدارة العامة والتعاقدات والحد الأقصى للدخل، ويمنحه إطارًا ماليًا مستقلًا لإدارة الأصول العامة المملوكة للشعب، وسلطة على موارد البلاد المحدودة من الأرض والمياه؛ كل ذلك في ظل غياب لقواعد الرقابة والحوكمة وضمانات حق المواطنين أصحاب تلك الأموال والأصول والموارد العامة- في المعرفة والمشاركة. 


أولًا: نطاق مستقبلي مفتوح لتوسع الجهاز 

 

يبدأ الاتساع في مشروع القانون الحكومي من التعريفات. يُعرِف المشروع "النطاق النوعي لعمل الجهاز" باعتباره قطاعات الأنشطة الاقتصادية ذات الأهمية الاستراتيجية على المستوى القومي، دون تحديد هذه القطاعات أو وضع معيار موضوعي لضبطها. كما يعرف "المشروع القومي" بأنه مشروع ينفذ في النطاق النوعي أو المكاني لعمل الجهاز، ويستوفي معيارًا واحدًا على الأقل من بين معايير لا ينص عليها المشروع، بل ستصدر لاحقًا بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على اقتراح مجلس إدارة الجهاز.

يترك هذا التعريف نطاق الجهاز قابلًا للتمدد بقرارات لاحقة، بل ومن خلال اقتراحات من مجلس إدارة الجهاز نفسه، بدلًا من أن يحدده القانون. وتزداد خطورة ذلك مع المادة الثالثة التي تحدد أهداف الجهاز بتعظيم القوة الاقتصادية، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي، واستدامة الثروة السيادية، والمساهمة في العدالة الاجتماعية. وهي أهداف عامة وفضفاضة يمكن أن تمتد إلى العديد من القطاعات، بدءً من الزراعة والمياه والطاقة إلى الإسكان والخدمات والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، كما يُمكن أن تسمح بإضافة المزيد من الصلاحيات لاحقًا.


ثانيًا: تركيز خمس سلطات في يد كيان واحد

 

أخطر ما يكرسه مشروع القانون هو جمع الجهاز بين دوري الرقيب والمشغل. فبدلًا من توزيع سلطات التخطيط، ووضع القواعد، والترخيص، والتخصيص، والاستثمار، والرقابة بين جهات مختلفة، يضعها القانون في يد واحدة. تمنحه المادة الرابعة سلطة تحديد مناطق التنمية المستدامة، ووضع استراتيجية تصنيفها وتنميتها وتشغيلها وإدارتها والترويج لها، كما تمنحه سلطة وضع أنظمة خاصة للاشتراطات والمواصفات والإجراءات والمدد المتعلقة بالرخص والتراخيص والاعتمادات والتصاريح والموافقات داخل هذه المناطق. 

ثم تتوسع هذه السلطة في مواد لاحقة. تنظم المادة 30 تسجيل الشركات والكيانات والترخيص لها، وتنظم المادة 31 تخصيص العقارات اللازمة للمشروعات، وتمنح المادة 32 المناطق والمشروعات المقامة بها إعفاءات وحوافز ومزايا ضريبية وجمركية، بينما تجعل المادة 33 من الجهاز الجهة الإدارية المختصة داخل مناطق التنمية المستدامة دون غيرها، عدا وزارة الدفاع. وتقرر المادة 34 نظام "الموافقة الواحدة" النافذة بذاتها لإقامة المشروع أو تشغيله أو إدارته أو تسجيل كيان داخله، دون اشتراط موافقات أخرى. كما تمنح المادة 39 "مستقبل مصر" سلطة إصدار تراخيص البحث والاستغلال لخامات المناجم والمحاجر والملاحات داخل هذه المناطق.

وإلى جانب سلطات التنظيم والترخيص، تجعل المادتان 16 و18 الجهاز وعاءً لإدارة واستثمار أصول وأموال عامة، من خلال إدخال الأموال والأصول المخصصة له في رأس ماله، واستئثاره بعوائد استثمار واستغلال هذه الأصول، وحصيلة إدارة أملاك الدولة الخاصة والتصرف فيها، وعوائد الإشراف على أملاك الدولة العامة. ويكتمل هذا البناء بإنشاء صندوق سيادي تابع للجهاز، تمنحه المواد 47 و48 و51 و53 سلطات واسعة لتلقي أصول وأموال مملوكة للدولة، وإدارتها، والتعاقد عليها، والتوسع عبر الاستحواذ أو الدمج أو نقل تبعية صناديق وطنية أخرى. 

هذا الشكل يجعل الجهاز واضعًا للقواعد، ومانحًا للتراخيص والموافقات، ومخصصًا للأراضي، ومستثمرًا في الأصول، وجهة رقابة وتحصيل في الوقت نفسه. ويخلق هذا تضاربًا في المصالح، خاصة عندما يكون الجهاز طرفًا مباشرًا أو غير مباشر في أنشطة يضع قواعدها ويمنح موافقاتها ويراقبها.

يستخدم مشروع القانون لغة الحوكمة، لكنه يترك وضع قواعدها والإشراف على تطبيقها لمجلس إدارة الجهاز، ما يضرب جوهر الحوكمة ذاته، كونها ستظل حوكمة داخلية لا تأتي من خارج الجهاز ولا تخضع لقواعد عامة مستقلة؛ بل تُدار داخل كيان يتمتع باستثناءات واسعة من قوانين الإدارة العامة. وتزداد محدودية هذه الحوكمة مع المادة العاشرة من قانون الإصدار، التي تستثني الجهاز من تطبيق قوانين إدارية وتنظيمية أساسية على الجهاز، بينها قانون الهيئات العامة، وقانون الخدمة المدنية، وقانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة، وقانون الحد الأقصى للدخول. 

كما ينشئ مشروع القانون ذراعًا استثمارية تابعة للجهاز باسم "صندوق مستقبل مصر للثروة السيادية - أهرامات النيل"، ويشار إليه في النص باسم "الصندوق السيادي". ويتولى هذا الصندوق استثمار وإعادة استثمار الأموال والأصول التي تُخصص له أو تُنقل ملكيتها أو تبعيتها إليه، كما وفّر له ذات الصلاحيات التي أقرتها الحكومة سابقًا لصندوق مصر السيادي الذي أنشأته في 2018 لإدارة الأصول المملوكة للدولة، ولكنه واجه الكثير من الانتقادات بسبب غياب الشفافية والحوكمة. وبالتالي فإن استحداث صندوق سيادي آخر بنفس الآلية يثير نفس المخاوف والانتقادات فيما يتعلق بالجهاز وصندوقه. 

وتمنح المادة 47 رئيس الجمهورية، بناءً على عرض رئيس الجهاز وبعد موافقة مجلس الإدارة، سلطة نقل ملكية أموال أو أصول مملوكة ملكية خاصة للدولة أو لأي من الجهات التابعة لها، وكذلك أسهم أو حصص في شركات مملوكة للدولة أو تساهم فيها، إلى الصندوق السيادي، دون اشتراط العرض على البرلمان أو الحصول على موافقته. تتيح المادة 48 للصندوق إدارة أموال أو أصول مملوكة للدولة أو لجهاتها وشركاتها من خلال اتفاق مع الجهة المالكة أو الحائزة للأصل. كما تسمح المادة 51 باستحواذ الصندوق، أو دمج، أو نقل تبعية صناديق وطنية نظيرة ذات طابع سيادي أو اقتصادي أو استثماري مملوكة بالكامل للدولة إليه، بقرار من رئيس الجمهورية وبعد موافقة مجلس الإدارة ومجلس الوزراء. وتمنحه المادة 53 سلطة التعاقد المباشر مع أشخاص وصناديق وشركات ومصارف ومؤسسات مالية وهيئات محلية وأجنبية داخل مصر وخارجها، وفق لوائحه الداخلية، ودون التقيد بالقوانين واللوائح والقرارات المعمول بها في الجهاز الإداري للدولة أو أي جهة أخرى. 

يجمع القانون في يد الجهاز أدوات التنظيم والرقابة والتحصيل. فهو يضع قواعد العمل داخل مناطق التنمية المستدامة، ويمنح الموافقات، ويدير أو يستثمر الأصول، ثم يضع نظم التفتيش على الكيانات العاملة فيها، وتؤول إليه حصيلة الغرامات والجزاءات.


ثالثًا: استثناء واسع من قوانين الإدارة العامة والتعاقدات

 

يخرج الجهاز، بموجب المادة العاشرة من قانون الإصدار -كما ورد أعلاه- من مظلة عدد من القوانين المنظمة للعمل العام في مصر، مثل قانون الخدمة المدنية، وقانون تنظيم التعاقدات الحكومية، وقانون الحد الأقصى للدخول، وقانون هيئات القطاع العام وشركاته، وقانون شركات قطاع الأعمال العام. 

في المقابل، تمنح المادة العاشرة من مشروع القانون مجلس إدارة الجهاز سلطة وضع لوائحه الداخلية في الشؤون الإدارية والمالية والفنية والموارد البشرية والتعاقدات والمشتريات، دون التقيد بالقواعد الحكومية المعمول بها. 


رابعًا: أصول عامة داخل دائرة مالية مستقلة 

 

يؤسس مشروع القانون نظامًا ماليًا مغلقًا حول الجهاز وصناديقه، تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: نقل أو إدارة أصول عامة، واحتفاظ مستقل بالعوائد والفوائض الناتجة عن عملية إدارة واستثمار تلك الأصول العامة، وتحميل الخزانة العامة بعض الأعباء المالية التي يجب أن يتحملها الصندوق دون أن ينص القانون على أيلولة جزء من إيرادات وأرباح الجهاز للخزانة العامة بشكل صريح. 

1: توسيع قاعدة الأصول والموارد

تدخل المواد 16 و17 و18 الأموال والأصول المخصصة للجهاز في رأس ماله، وتنظم تقييمها بالقيمة السوقية، وتجعل عوائد استثمارها واستغلالها، وحصيلة إدارة أملاك الدولة الخاصة أو الإشراف على أملاكها العامة، من موارده الذاتية. ويمتد هذا المسار إلى "صندوق مستقبل مصر للثروة السيادية — أهرامات النيل"، إذ تجيز المادة 47 نقل أموال أو أصول مملوكة ملكية خاصة للدولة أو لأي من جهاتها، وكذلك أسهم أو حصص في شركات مملوكة للدولة أو تساهم فيها، إلى الصندوق. كما تسمح المادة 48 للصندوق بإدارة أموال أو أصول مملوكة للدولة أو لجهاتها وشركاتها، بينما تفتح المادة 75 مسارًا إضافيًا لإنابة الجهاز في الإشراف على أملاك عامة أو إدارة واستغلال والتصرف في أملاك خاصة لجهات الدولة.

2: عوائد لا تؤول تلقائيًا للخزانة

في مقابل اتساع قاعدة الأصول والموارد، تستبعد المادة 72 تطبيق القوانين التي تلزم بعض الجهات بتحويل نسب من أرصدتها أو فوائضها إلى الخزانة العامة. وبذلك لا تدخل فوائض الجهاز أو عوائد الصندوق السيادي أو فائض الصندوق الخدمي تلقائيًا إلى الموازنة العامة، وإنما يظل تحويل أي نسبة منها معلقًا على قرار لاحق من رئيس الجمهورية، بناءً على عرض وزير المالية وبعد أخذ رأي مجلس الإدارة.

3: أعباء تتحملها الخزانة

حاول مشروع الحكومة الجمع بين احتفاظ الجهاز بفوائضه وتحميل الخزانة جانبًا من التزاماته الضريبية والمالية. لكن اللجنة البرلمانية حذفت النص الذي كان يلزم الخزانة بسداد الضرائب والرسوم عن الجهاز وصندوقيه، ونظمت المتأخرات الضريبية والتأمينية على أن يقوم الجهاز بتقسيطها. ومع ذلك، ظلت المادة 72 كما هي، بما يسمح ببقاء فوائض الجهاز وصندوقيه خارج التحويل التلقائي إلى الخزانة العامة.

ينقل هذا التصميم أصولًا وموارد عامة إلى دائرة مالية مستقلة تعمل بموازنات ولوائح خاصة. وتزداد خطورة ذلك في ضوء ما آل إلى الجهاز خلال السنوات الماضية من أراضٍ ومشروعات بنية أساسية، بينها أراضي مستقبل مصر والدلتا الجديدة، وأراضٍ أعيد تخصيصها من جهات عامة أخرى، فضلًا عن نزاعات قائمة حول أراضٍ يقول أصحابها إنهم يملكون عقودًا أو مستندات رسمية.


خامسًا: رقابة غير محددة على جهاز يدير أصولًا عامة

 

أدخلت اللجنة البرلمانية المشتركة تعديلًا على المادة المنظمة لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، فحذفت الفقرة التي كانت تقصر دوره على إعداد تقارير سنوية عن مؤشرات أداء الجهاز والصندوقين استنادًا إلى قوائمهما المالية. وجاء الحذف بعد اعتراض عدد من النواب على أن الصياغة قد تُفهم باعتبارها تحديدًا حصريًا لنطاق رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، بما يحولها إلى رقابة محدودة تقتصر على مؤشرات الأداء. وأوضحت اللجنة في تقريرها -الذي اطلعت عليه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية- أن أثر هذا الحذف هو "سريان القواعد العامة المعمول بها بشأن رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات على الجهاز"، بما يعني عدم حصر الرقابة في تقارير مؤشرات الأداء، وامتدادها إلى الاختصاصات الرقابية والمحاسبية المقررة قانونًا ودستوريًا. 

كما عدلت اللجنة النص الخاص بالتقرير السنوي للجهاز، ليُرفع إلى رئيس مجلس النواب إضافة لممثلي السلطة التنفيذية، في محاولة لتوسيع نطاق الرقابة البرلمانية على أعمال الجهاز. 

لا يزال هذا التعديل قاصرًا عن الحسم بصورة واضحة لطبيعة الرقابة المقصودة أو نطاقها. فلا يبين إذا كانت تمتد بذات القدر إلى الصندوق السيادي، والصندوق الخدمي، والشركات التابعة، أو إلى جميع الأصول التي يديرها الجهاز. كما لا يوضح العلاقة بين رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات ومراقب الحسابات الخارجي، أو ما إذا كانت تقارير الرقابة ستعرض على مجلس النواب، إلى جانب التقرير السنوي الذي يعده الجهاز، أو ستتاح للرأي العام. 

تظهر خطورة ذلك بالنظر إلى طبيعة الأموال التي يديرها الجهاز. فالقانون ينقل إليه أصولًا وأراضي مملوكة للدولة، ويمنحه صلاحيات واسعة في إدارتها واستثمارها، مع احتفاظه بموازنات مستقلة وصناديق خاصة. وفي مثل هذا النموذج، لا تكفي الإحالة العامة إلى قواعد رقابية غير محددة، بل تقتضي ضمانات أوضح تكفل رقابة مالية وإدارية فعالة، وعلانية القوائم المالية وتقارير الأجهزة الرقابية، وتمكين مجلس النواب والرأي العام من متابعة كيفية إدارة هذه الأصول والتصرف فيها.


سادسًا: تقييد حق التقاضي والمساءلة المجتمعية

 

في مشروع القانون المقدم من الحكومة، تقيد المادة 73 قبول الدعاوى والطعون المتعلقة ببطلان التصرفات التي يتخذها الجهاز أو الصندوق السيادي أو الصندوق الخدمي أو الشركات والكيانات التابعة بشأن الأموال أو الأصول محل التصرف. فلا تقبل، وفقًا للنص، إلا من أطراف تلك التصرفات، أسوة بنصوص القانون رقم 32 لسنة 2014 الخاص بتعاقدات الحكومة. وتقيّد المادة إمكانية مساءلة طرفي التعاقد، بما في ذلك الدعاوى المُقامة قبل إقرار القانون، باستثناء حالة وحيدة مرتبطة بصدور حكم بات في جرائم المال العام ضد أحد طرفيّ التعاقدات.

خطورة هذه المادة أنها تأتي بعد مواد تسمح بنقل أصول الدولة وإدارتها واستثمارها وتقييمها داخل الجهاز وصناديقه؛ أي أن تقييد التقاضي في هذه الحالة يتعلق بتصرفات قد تمس أراضي وأصولًا وموارد عامة، أو حقوق أصحاب مصلحة مباشرين في الأرض أو المياه أو النشاط الاقتصادي المحلي.

الحق في التقاضي ليس عقبة إجرائية، لكنه ضمانة أساسية لحماية المال العام وحقوق المتضررين. وقد يؤدي تقييده إلى حرمان أصحاب المصلحة، ومنهم المجتمعات المحلية أو العاملون أو المتضررون بيئيًا أو اقتصاديًا، من الطعن على قرارات قد تمس مصالحهم المباشرة أو مواردهم.


سابعًا: إعادة هندسة الموارد: تبعات توسع الجهاز على الأرض والمياه 

 

خلال السنوات الماضية، باشر جهاز "مستقبل مصر" إصدار وتطبيق قرارات مائية وزراعية واسعة الأثر، رغم أن قرار تأسيسه وحدود ولايته لم يكونا واضحين للرأي العام. امتد دوره إلى مشروعات بحجم مد ترعة "مستقبل مصر" التي تنقل مياهًا من فرع رشيد إلى الصحراء الغربية لري أراضي الدلتا الجديدة. كما تعتمد مشروعاته على نقل مياه الصرف الزراعي المعالجة من الدلتا القديمة إلى أراضي مشروع الدلتا الجديدة المخصص لكبار المستثمرين. 

هذه القرارات لا تخص الجهاز وحده. فمياه فرع رشيد مورد محدود تعتمد عليه مناطق قائمة في الدلتا؛ بل وسبق أن نفت وزارة الري، في 2018، وجود مشروع معتمد لمد ترعة إلى ذات منطقة الدلتا الجديدة، وأشارت وقتها إلى عدم توافر مقننات مائية إضافية من مياه النيل لمشروعات جديدة. لكن المشروع عاد لاحقًا، بعد تحول "مستقبل مصر" إلى كيان ضخم يقود ملف الأمن الغذائي. 

أما مياه الصرف الزراعي المعالجة فهي ليست فائضًا بلا استخدام؛ فهي جزء من دورة إعادة الاستخدام داخل الدلتا، ويعتمد عليها فلاحون ومناطق زراعية لتعويض نقص مياه الري، وفقًا لأبحاث علمية منشورة. 

رغم ذلك، لا توجد حتى الآن دراسات منشورة تشرح الأثر البيئي والاجتماعي والمائي لهذه التحويلات الضخمة، أو تكلفة الرفع والمعالجة والتشغيل، أو البدائل التي درستها الدولة قبل مد المياه إلى الصحراء. ولا يوجد مسار معلن لمشاورة الفلاحين ومستخدمي المياه والمجتمعات التي قد تتأثر بتقليص مياه الري أو مياه إعادة الاستخدام.

هنا تظهر مجددًا خطورة مشروع القانون. فالجهاز تحرك بالفعل في ملفات تمس موارد طبيعية بهذا الحجم قبل أن تتوفر معلومات كافية عن أساسه القانوني أو أثر مشروعاته، ثم يأتي مشروع القانون ليمنحه سلطات أوسع لتثبيت قرارات مشابهة مستقبلًا. فتمنحه المادة 34 سلطة إصدار "موافقة واحدة" نافذة بذاتها لإقامة المشروع أو تشغيله أو إدارته، وتتيح المادة 75 إنابته في إدارة أو استغلال أو التصرف في أملاك خاصة لجهات الدولة، أو الإشراف على أملاكها العامة، بينما تقيد المادة 73 قبول الطعون على العقود والاتفاقات المتعلقة بالأموال والأصول.

لذلك لا يجوز أن تمر قرارات تمس الأرض والمياه والطاقة والبيئة من دون نشر دراسات الأثر، وبيانات مصادر المياه وتكلفتها، وحدود الأراضي المتأثرة، ومن دون إتاحة فرصة فعلية لأصحاب المصلحة للاعتراض والطعن.

إنشاء مناطق تنمية مستدامة، أو إصدار "الموافقة الواحدة"، أو إدارة المرافق، أو استغلال الأصول، ليست إجراءات إدارية محايدة عندما تتصل بمشروعات تعتمد على تحويل المياه والطاقة والبنية الأساسية إلى أراضٍ جديدة. هذه القرارات تمس توزيع الموارد بين مناطق قائمة ومناطق مستحدثة، وقد تؤثر في حقوق مجتمعات محلية ومستخدمين قائمين للمياه والأرض. 


ثامنًا: صندوق خدمي موازٍ لبرامج الحماية والخدمات العامة

 

ينشئ القانون داخل الجهاز قناة موازية للتدخل في مجالات الحماية والخدمات العامة. ففي المادة 55، ينص على إنشاء "صندوق مستقبل مصر الخدمي - داعم"، وتحدد المادة 56 هدفه في مساعدة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي وكفالة المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص.

وتمنحه المادة 59 دورًا في معاونة أجهزة الدولة في إقامة مشروعات خدمية واجتماعية وتنموية، في مجالات التعليم والبحوث والتطوير والتدريب والصحة والثقافة والبنية التحتية والإسكان اللائق. كما تتيح المادة 64، بقرار من رئيس الجمهورية وبعد موافقة مجلس الإدارة ومجلس الوزراء، استحواذ الصندوق الخدمي على صناديق وطنية ذات طابع خدمي أو اجتماعي أو تنموي مملوكة بالكامل للدولة، أو اندماجها فيه أو نقل تبعيتها إليه.

كما تكفل المادة 67 للصندوق الخدمي المزايا والإعفاءات والحوافز والضمانات والتيسيرات المقررة لصندوق تحيا مصر، وهو صندوق عام يتبع مجلس الوزراء، ويحظى برعاية رئيس الجمهورية، أُنشئ بموجب القانون رقم 84 لسنة 2015 لتمويل المشروعات التنموية والاجتماعية من خلال التبرعات والمنح وغيرها من الموارد التي يحددها القانون، ويعمل خارج الموازنة العامة للدولة مع خضوعه لأحكام قانونه الخاص.

تقر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بأهمية دعم البرامج الاجتماعية والخدمية. لكن إنشاء صندوق بهذه الصلاحيات داخل جهاز مستقل القواعد والموازنة ينقل جانبًا من الإنفاق الاجتماعي إلى مسار خاص، أقل ارتباطًا بقواعد الموازنة العامة وآليات الرقابة البرلمانية. فتمويل التعليم والصحة والإسكان والحماية الاجتماعية يجب أن يستند إلى سياسات معلنة، وموازنات يمكن تتبعها، ومعايير واضحة لتوزيع الموارد، مع الالتزام بالنسب الدستورية المقررة للإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمي.

وتعتمد الحكومة على توزيع بعض أوجه الإنفاق خارج التقسيم الوظيفي للموازنة العامة، ثم احتسابها ضمن الإنفاق على التعليم والصحة لإظهار الالتزام بالنسب الدستورية، بينما تظل النسب الفعلية الموجهة إلى هذه القطاعات أقل من المستويات التي حددها الدستور. ونقل جانب من الإنفاق الاجتماعي إلى جهات أو صناديق لا تنشر موازناتها يزيد صعوبة معرفة أولويات الإنفاق الحقيقية، وحجم الموارد المتاحة، والجهات المستفيدة منها.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه الموازنة العامة ضغوطًا كبيرة بسبب أعباء الدين، بالتوازي مع تقييد الإنفاق على المرافق الخدمية، والتوسع في تحويل بعضها إلى مرافق مدرة للربح، وتراجع الإنفاق الفعلي على الدعم. ويمثل هذا المسار امتدادًا للإخلال بمبدأ وحدة الموازنة العامة، سواء من جهة الإيرادات التي تذهب إلى صناديق خاصة وسيادية خارج الموازنة، أو من جهة المصروفات التي يجري توزيعها عبر مسارات يصعب تتبعها. وقد سبق للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن انتقدت هذا الأسلوب لكونه يضعف الشفافية ويتيح عرضًا محاسبيًا لا يعكس بالضرورة حجم الإنفاق الفعلي على الخدمات الأساسية.


تاسعًا: غياب ضمانات الحق في المعرفة والمشاركة

 

رغم أن القانون يمنح الجهاز سلطة إنشاء قواعد بيانات، وإدارة مناطق تنمية، والتعامل مع استثمارات محلية وأجنبية، وإصدار تراخيص وقرارات لها أثر مباشر على الموارد والأراضي والمرافق، فإنه لا يتضمن التزامات مقابلة كافية بنشر المعلومات. لا ينص المشروع بوضوح على نشر عقود نقل الأصول، أو دراسات الجدوى، أو تقارير تقييم الأثر البيئي والاجتماعي، أو بيانات استخدام المياه، أو معايير اختيار المستثمرين، أو تقارير الأداء المالي السنوية بصورة متاحة للجمهور.

من دون هذه الالتزامات، سيظل الجمهور أمام قرارات واسعة الأثر من دون معرفة كافية بمبرراتها أو كلفتها أو أطرافها أو نتائجها. ويضعف هذا القدرة على تتبع إدارة الأصول العامة والموارد الطبيعية، خصوصًا في جهاز يعمل بلوائح داخلية خاصة ويتمتع باستثناءات واسعة من القواعد العامة. 

لسنوات، توسع جهاز "مستقبل مصر" في إدارة أراضٍ ومشروعات وملفات اقتصادية واسعة، بينما يظل قرار تأسيسه غير منشور في الجريدة الرسمية. كانت قرارات تخصيص الأراضي وإنشاء كيانات مرتبطة به تُنشر تباعًا، لكن النص الذي يحدد أصل وجود الجهاز وحدود اختصاصه بقي غائبًا عن المجال العام.

 

تعديلات اللجنة البرلمانية المشتركة المقترحة: إيجابية وغير كافية 

 

بعد إحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب، أدخلت اللجنة المشتركة تعديلات واسعة على النص المقدم من الحكومة، شملت 67 مادة من أصل 80. 

ورغم أن اللجنة خففت بعض الأعباء عن الخزانة العامة بحذف النص الذي كان يلزم الدولة بسداد الضرائب والرسوم المستحقة على الجهاز وصندوقيه، وعدلت النص الخاص بمتأخرات التأمينات الاجتماعية بحيث يسدد الجهاز حصته على أربع سنوات من دون فوائد. لكن الخزانة ستظل مسؤولة عن الضرائب والرسوم والغرامات وغيرها من الالتزامات المالية التي استحقت على الجهاز قبل بدء سريان القانون. وبالتالي قلصت التعديلات الأعباء المقترحة على المال العام لكنها لم تحذفها بالكامل.

كما قيدت اللجنة نطاق تطبيق القانون على الأراضي التي آلت ملكيتها إلى الجهاز، بدلًا من صياغة كانت تسمح بتفسير أوسع لنطاق ولايته. لكن هذا التحديد يظل ناقصًا من دون نشر حصر واضح بالأراضي التي انتقلت بالفعل إلى الجهاز، والجهات التي نُقلت منها، والقرارات والاتفاقات التي تمت بموجبها، وتواريخ وقيم هذا النقل. حتى الآن، لا تتوافر للرأي العام صورة مكتملة عمّا آل إلى الجهاز من أراضٍ، أو عن الأساس القانوني الذي انتقلت به ملكيتها.

وشملت التعديلات تغييرًا طفيفًا يخضع إنشاء مناطق التنمية المستدامة الجديدة لموافقة مجلس النواب في جلسة عامة، بدلًا من أن يظل قرارًا إداريًا داخل الجهاز والسلطة التنفيذية فقط. ولكن التعديل ترك الباب مفتوحًا أمام إنشاء مناطق جديدة في حال لم يكن مجلس النواب منعقدًا، مع الاكتفاء في تلك الحالة بالعرض على مكتب المجلس وإخطار المجلس عند عودته للانعقاد. وأُدخل تعديل يلزم "مستقبل مصر" بعرض تقريره السنوي على رئيس مجلس النواب إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. 

وإلى جانب ذلك، وضعت اللجنة سقفًا لزيادة الرسوم داخل مناطق التنمية المستدامة. كما حذفت فقرة أثارت لبسًا بشأن تملك الأجانب للعقارات في مناطق ذات طبيعة استراتيجية. وعدلت اللجنة النص الخاص برئيس الجهاز، فقصرت منحه درجة الوزير على المعاملة الوظيفية والمالية، بما يزيل جانبًا من اللبس الدستوري الذي أثارته الصياغة الأولى.

وخففت اللجنة صياغة الاستثناءات المتعلقة بضم الصناديق أو دمجها. فبدلًا من النص على جواز إجراء هذه العمليات "استثناءً من أي قانون آخر"، استخدمت صياغة أضيق تسمح باستثناء بعض الأحكام والإجراءات المعمول بها، من دون أن تجعل القرار الجمهوري قادرًا على تجاوز القوانين نفسها. ومع ذلك، سيظل ضم الصناديق أو نقل تبعيتها يحدث عبر مسار خاص يختلف عن القواعد العادية المطبقة على الجهات العامة.

أضافت التعديلات أيضًا استثناءً هامًا، وهو أن أموال الجهاز تعد أموالًا خاصة ما عدا ما يكون مخصصاً للمنفعة العامة، وذلك لضمان عدم التصرف في الأصول ذات الطابع الخدمي العام كأنها ملكية خاصة للجهاز.

في مقابل هذه القيود، أضافت التعديلات صلاحيات جديدة للجهاز. فقد وسعت نطاق عمله ليشمل الأنشطة الخدمية إلى جانب الأنشطة الاقتصادية، وأضافت فصلًا يمنحه سلطة توقيع جزاءات مالية إدارية على المخالفات داخل نطاق عمله. ورغم أن الفصل يتضمن ضمانات مثل تسبيب القرار، وإخطار المخالف، وسماع دفاعه، وإتاحة التظلم، فإن السلطة الجديدة تعمق مشكلة جمع الأدوار داخل الجهاز نفسه. فهو يضع القواعد، ويمنح التراخيص، ويدخل في الاستثمار والتشغيل، ثم يراقب المخالفات ويوقع الجزاءات عليها. كما أن الطعن أمام القضاء لا يوقف تنفيذ الجزاء تلقائيًا، إلا إذا قررت المحكمة ذلك. 

تمنح هذه التعديلات الجهاز موردًا ماليًا مرتبطًا مباشرة بسلطته في توقيع الجزاءات. فحصيلة الجزاءات تُورد أولًا إلى الخزانة العامة، لكن الخزانة تلتزم بعد ذلك بتخصيص مبلغ مماثل لدعم موارد الجهاز. وبذلك لا تنفصل سلطة العقاب عن المصلحة المالية؛ فكلما زادت الجزاءات التي يوقعها الجهاز، زاد المبلغ الذي يعود إلى موازنته من الخزانة العامة.

استحدثت اللجنة أيضًا مدة لسقوط حق الجهاز في اتخاذ إجراءات توقيع الجزاءات الإدارية بعد مرور خمس سنوات على المخالفة.

وتبقى العقدة المالية المركزية قائمة طالما ظل الجهاز وصندوقاه خارج قواعد توريد الفوائض تلقائيًا إلى الخزانة العامة. فحذف النص الذي كان يحمّل الخزانة بعض الأعباء يقلل من كلفة مشروع القانون المقدم من الحكومة على المال العام، لكنه لا يعالج مشكلة المسار المالي المستقل الذي يحتفظ بالعوائد والفوائض داخل الجهاز وصناديقه، بدل إدماجه في قواعد الموازنة العامة والرقابة البرلمانية المعتادة.

 

كما أن اشتراط موافقة البرلمان على إنشاء مناطق جديدة لا يكفي وحده لضمان المساءلة. فالموافقة البرلمانية يجب أن تسبقها إتاحة معلومات كافية عن حدود المنطقة، والأراضي التي ستؤول للجهاز، ومصادر المياه والطاقة، ودراسات الجدوى، وتقييمات الأثر البيئي والاجتماعي والمائي، وأصحاب الحقوق أو المجتمعات المتأثرة، وهو ما لم تلزم به اللجنة في تعديلاتها. ومن دون ذلك، تظل الرقابة على قرار الإنشاء منفصلة عن حق الجمهور في المعرفة وحق المتضررين في المشاركة والطعن.

ترحب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالتعديلات التي خففت بعض الأعباء عن الخزانة العامة، وأكدت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، ووسعت الدور الرقابي لمجلس النواب. لكنها ترى أن تعديلات اللجنة لم تغير البنية الأساسية للمشروع. لا يزال جهاز "مستقبل مصر" كيانًا واسع الاختصاصات، يتبع رئيس الجمهورية مباشرة، ويتمتع باستقلال مالي وفني وإداري، ويجمع بين التخطيط ووضع القواعد والترخيص والتخصيص والاستثمار وإدارة الأصول والرقابة والتحصيل. كما أضافت اللجنة إلى نطاقه الأنشطة الخدمية ومنحته سلطة توقيع جزاءات مالية، بينما بقيت فوائضه خارج التحويل التلقائي إلى الخزانة العامة، وظلت ضمانات الشفافية والمشاركة وحق التقاضي أقل بكثير من حجم الصلاحيات الممنوحة له.

 

خاتمة: ضمانات وتعديلات لازمة قبل إقرار مشروع القانون 

 

كلما اتسعت صلاحيات الجهة العامة، زادت الحاجة إلى قواعد أوضح للشفافية والرقابة والتقاضي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأراضٍ ومياه وأصول عامة وموارد تدخل في صلب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

في صيغته الحالية، يمنح مشروع القانون جهاز مستقبل مصر إطارًا قانونيًا لتوسع بدأ قبل صدوره، وفي ظل نقص واضح في المعلومات المتاحة عن قرار التأسيس والاختصاصات والميزانيات والعقود. ويجمع هذا الإطار بين سلطات التخطيط والترخيص والاستثمار والرقابة والتحصيل، مع موازنات مستقلة ولوائح داخلية خاصة واستثناءات واسعة من القوانين المنظمة للجهات العامة.

لذلك تطالب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بما يلي:

1- نشر قرار تأسيس جهاز مستقبل مصر وجميع القرارات والاتفاقات السابقة التي رتبت له اختصاصات أو أصولًا أو أراضي أو صلاحيات قبل صدور القانون.

2- حصر نطاق عمل الجهاز داخل القانون نفسه، وعدم ترك إضافة قطاعات أو تعريف "المشروع القومي" لقرارات لاحقة، إلا بموافقة تشريعية واضحة ومعايير منشورة، ووضع حد واضح بين اختصاصات الجهاز واختصاصات الوزارات والجهات والهيئات الحكومية المختلفة التي تخضع للرقابة التشريعية.

3- فصل سلطات التنظيم والترخيص والرقابة عن سلطات الاستثمار والتشغيل، بحيث لا يكون الجهاز في الوقت نفسه واضعًا للقواعد، ومستفيدًا من تطبيقها، ومانحًا للموافقات، وجهة تفتيش وتحصيل.

5- عدم نقل ملكية أصول أو أراضٍ أو حصص في شركات مملوكة للدولة إلى الجهاز أو صندوقه السيادي إلا بموافقة برلمانية، وبعد نشر تقييم مستقل للأصل، وأسباب النقل، وشروط الإدارة أو الاستثمار.

النص على أيلولة نسبة واضحة وملزمة من فوائض الجهاز وصناديقه إلى الخزانة العامة، وعدم ترك تحويل الفوائض بالكامل لقرار لاحق.

6- إخضاع الجهاز وصناديقه لرقابة مالية معلنة، تشمل إرسال القوائم المالية  التفصيلية وتقارير الأداء وملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات إلى مجلس النواب، ونشر تلك التقارير المحاسبية بشكل دوري وهي ملاحظة يمكن أن تمتد لكثير من الجهات والمؤسسات الاقتصادية التي تدير المال العام في مصر. 

7- نشر قيمة الالتزامات التي ستتحملها الخزانة العامة عن الجهاز بموجب االمادتين الثامنة والتاسعة من قانون الإصدار، بما في ذلك الضرائب والرسوم والغرامات ومقابل التأخير.

8- إخضاع التعاقدات والمشتريات الكبرى لقواعد إعلان ومنافسة وإفصاح، بما في ذلك النشر علي بوابة التعاقدات الحكومية التي سبق وأنشأتها الحكومة بسبب مشروطية برنامج صندوق النقد،  وكذلك نشر بيانات المتعاقدين والقيم المالية ومعايير الاختيار حال الترسية ضمانًا لإجراءات أكثر شفافية تضمن مكافحة الفساد.

9- استثناء الموافقات البيئية والمائية والصحية من نظام "الموافقة الواحدة"، وعدم اعتماد أي منطقة تنمية مستدامة أو مشروع قومي كثيف الاستخدام للموارد قبل نشر دراسات الأثر البيئي والاجتماعي والمائي، وبيانات استخدام المياه ومصادرها وتكلفة نقلها ومعالجتها.

10- توريد حصيلة الصندوق الخدمي "داعم" للخزانة العامة مع النص على استخدامها في الانفاق الاجتماعي بشكل محدد.

11- تعديل القانون رقم 32 لسنة 2014 بشأن تنظيم بعض إجراءات الطعن على عقود الدولة، بما يضمن حق كل ذي مصلحة جدية ومباشرة في الطعن على العقود المتعلقة بأصول أو أراضٍ أو موارد عامة، بدلًا من قصر الطعن على أطراف التعاقد وأصحاب الحقوق الشخصية أو العينية على الأموال محل التعاقد، مع وضع ضوابط تحول دون الدعاوى الكيدية من دون إغلاق باب الرقابة القضائية على التصرف في المال العام.