بعد صدور قانونه: إصدار للمبادرة المصرية يحلل تحوّل "مستقبل مصر" إلى حكومة موازية لإدارة الأصول العامة دون رقيب
بيان صحفي
أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، اليوم، ورقة سياسات جديدة حول جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، تتناول بالتحليل القانون رقم 147 لسنة 2026 الذي أعاد تنظيمه بعد سنوات من عمله دون إطار قانوني معلن مع صدوره الشهر الماضي. وتخلص الورقة التي تحمل عنوان "مستقبل من؟ الإدارة الموازية وإعادة تعريف الدولة في قانون جهاز "مستقبل مصر" إلى أن القانون أضفي إطارًا دائمًا على توسع الجهاز في إدارة الأصول العامة والأراضي والموارد الطبيعية وسوق الغذاء، وثبّت وضعه ككيان اقتصادي وإداري بصلاحيات واسعة يتبع رئيس الجمهورية مباشرة.
بدأ "مستقبل مصر عام 2017 مشروعًا لزراعة 200 ألف فدان في الصحراء الغربية تحت إشراف القوات الجوية. وخلال تسع سنوات، تجاوز نشاطه استصلاح الأراضي ليصبح المستورد الأول للقمح التمويني، ومدير البورصة السلعية، والمشرف على أكبر البحيرات والمزارع السمكية، وأحد المتحكمين في توزيع الأسمدة المدعمة، إلى جانب استثماراته المتشعبة في قطاعات اقتصادية أخرى تمس تفاصيل الحياة اليومية للمصريين.
منح القانون الجهاز استقلالًا ماليًا وإداريًا وفنيًا، وسمح بانتقال أصول واختصاصات كانت موزعة بين وزارات وهيئات عامة مختلفة إلى إدارته. كما جمع في يد الجهاز سلطات وضع القواعد، ومنح الأراضي والتراخيص، والاستثمار والتشغيل، والرقابة وتوقيع الجزاءات؛ فوضعه في موقع المنظم والمستثمر والرقيب في الوقت نفسه. ورغم اتساع هذه السلطات، لم يفرض القانون على الجهاز نشر قوائمه المالية أو عقوده، أو تقديم سجل كامل بالأراضي والأصول التي يملكها أو يديرها.
قدمت الإدارة السياسية هذا التمدد باعتباره دليلًا على نجاح الجهاز، واعتبرت أن استمرار هذا النجاح يستدعي منحه مرونة استثنائية للهرب من قيود البيروقراطية. لكن هذه المرونة لم تأتِ عبر إصلاح القواعد التي تعطل الوزارات والهيئات العامة، أو إتاحة الأدوات نفسها للمؤسسات القائمة؛ وإنما عبر منح الجهاز وحده الأرض والتمويل وصلاحيات الاستثمار والترخيص.
ثم جاء القانون إعلانًا رسميًا عن تحول هيكلي في فلسفة إدارة الدولة. فقد مهّدت المتابعة الرئاسية الدورية لمشروعات الجهاز، وحرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على تصدر مؤتمراته وافتتاحاته، لتقديم "مستقبل مصر" نموذجًا إداريًا بديلًا يستمد قوته مباشرة من الرئاسة. واليوم، ينقل القانون ترتيبات بدأت استثنائية إلى إطار دائم ومقنن، ويحوّل جهازًا بدأ مشروعًا زراعيًا إلى ركيزة تعتمد عليها الإدارة السياسية في بناء “الجمهورية الجديدة”؛ جمهورية يُعاد فيها ترتيب علاقة الدولة بأصولها العامة، وتحديد أين تستقر عوائدها وما يعود منها على المواطنين.
وتتتبع الورقة أثر هذا التحول على الوزارات والمال العام، وعلى إدارة الأراضي والمياه والبحيرات، وعلى أوضاع الفلاحين والصيادين والمستهلكين. كما تتعرض للموازنات المستقلة للجهاز وصندوقيه، والإعفاءات والحوافز الممنوحة لمشروعاته وشركائه، وما يقابلها من غياب الالتزامات المعلنة تجاه المجتمع. وتستكمل بذلك ورقة الموقف التي أصدرتها المبادرة المصرية قبيل التصويت النهائي في البرلمان بعنوان "رقابة قاصرة واستثناءات بلا حدود".
وتدعو الورقة إلى نشر حصر كامل بأصول الجهاز وأراضيه وعقوده وقوائمه المالية، وإخضاع موارده وصندوقيه وشركاته للرقابة العامة، والفصل بين سلطات التنظيم والرقابة وبين الاستثمار والتشغيل. كما تطالب بربط ما يحصل عليه الجهاز وشركاؤه من أراضٍ ومياه وإعفاءات بالتزامات معلنة وقابلة للقياس تجاه الفلاحين والصيادين والمستهلكين والموارد الطبيعية.



