نحو تنظيم ديمقراطي ولا مركزي للإدارة المحلية في مصر
كتب هذه الورقة عمرو عبد الرحمن مسؤول ملف الديمقراطية والحقوق المدنية، وراجعتها سلمى حسين الباحثة الاقتصادية الأولى في وحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية
مقدمة:
شهد مجلس النواب في بداية شهر أبريل 2026 حراكًا نشطًا يستهدف إقرار قانون جديد للإدارة المحلية، بدعوى الوفاء بالاستحقاق الدستوري المؤجل منذ 2019. إلا أن هذا الحراك توقف فجأة في منتصف الشهر نفسه، كما بدأ فجأة في بدايته.
نص دستور 2014 في المادة 242 على ضرورة "الانتقال لنظام جديد للإدارة المحلية خلال خمس سنوات من تاريخ إقرار الدستور". ووضعت المواد من 175 إلى 183 الملامح العامة لهذا النظام، التي يجب أن يلتزم بها أي قانون جديد. وعلى رأسها "دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية".
وكانت حكومة الدكتور شريف إسماعيل قد تقدمت بمشروع قانون للإدارة المحلية في 2016. لكنه - مثل المحاولة الأخيرة- سُحب سريعًا بدون إبداء أسباب واضحة. ولم تعد الحكومة إلى فتح هذا الملف قبل الحراك المفاجئ خلال أبريل الماضي. وجدير بالذكر أن آخر تشكيل للمجالس المحلية في مصر يعود لعام 2008، قبل أن تُحل هذه المجالس بحكم القضاء الإداري في يونيو 2011 عقب اندلاع ثورة يناير، ولا زالت المجالس المحلية غائبة حتى اليوم.
الحراك الحالي شهد تقديم أربعة مشاريع قوانين للإدارة المحلية. أولهم مشروع أعادت الحكومة طرحه، وهو مشروع القانون الذي سبق إعداده وتقديمه للبرلمان في 2016 كما هو بحذافيره دونما تعديل. وفي المقابل طرح الدكتور محمد عطية الفيومي، وكيل لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب مشروعًا متكاملًا، وطرح النائب عمرو درويش النائب عن تنسيقية شباب الأحزاب مشروعًا خاصًا به، وطرحت النائبة سحر عتمان النائبة عن حزب العدل مشروعًا رابعًا.
انتهت المناقشات البرلمانية إلى تشكيل لجنة للنظر في المشروعات الأربعة المقدمة، على أن تقدم للجنة العامة بمجلس النواب مشروعًا جديدًا، أو دراسة مقارنة لهذه المشروعات المختلفة.
ولمّا كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ترى أن المجالس التشريعية المنتخبة ديمقراطيًا على الصعيدين الوطني والمحلي، والقادرة على ممارسة اختصاصاتها التشريعية والرقابية، تشكل أحد أهم ضمانات الحقوق والحريات الدستورية؛ فكان من الطبيعي أن تولي اهتمامًا مضاعفًا لدراسة المشروعات المقدمة لتنظيم الإدارة المحلية. وهو ما عكفنا عليه في الأسابيع الأخيرة. ونتقدم هنا بخلاصة ما انتهت إليه قراءتنا المبدئية لمشاريع القوانين المقترحة، وعددٍ من التوصيات عمّا يجب أن يتضمنه أي مشروع بديل قد تنتهي إليه اللجنة البرلمانية المشكلة أخيرًا.
يمكن القول بشكل عام أن المشاريع الأربعة تتبنى رؤية شديدة المركزية للإدارة المحلية، بل هي رؤية تتشكك بعمق في قدرة ممثلي المجتمعات المحلية على الاضطلاع بمسؤولياتهم في إدارة شؤونهم العامة، والرقابة على السلطة التنفيذية. وهي بهذا تقصر عن تحقيق مبدأ اللامركزية الذي نصت عليه مواد الدستور المذكورة، وتهدر عددًا من الرخص الدستورية التي أتاحها الدستور الحالي للمرة الأولى في تاريخنا.
باستعراض المشاريع الأربعة المقدمة يتضح أنها جميعًا لا تتجاوز اقتراح قدر من "اللامركزية الإدارية"، ولا تقترب من اللامركزية السياسية ولا المالية. بل إن مصطلح "اللامركزية السياسية" نفسه لا يرد ذكره في أي من هذه المشاريع. ويتجلى هذا الخلل في جوانب أربعة رئيسية من المشاريع وهي:
-
آلية اختيار المحافظين ومحاسبتهم
-
آلية انتخاب المجالس المحلية
-
الموارد المالية المتاحة للوحدات المحلية
-
آلية حلّ المجالس المحلية
ولكن في البداية من المفيد التذكير بمعنى مفهوم "اللامركزية" نفسه، وأبعاده التي تتجلي في الممارسات التشريعية والإدارية كما تعرّفها مواثيق حقوقية دولية، وأدبيات هيئات الأمم المتحدة التنموية ومؤسسات التمويل والدعم الدولية كالبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكما يعرفه الفقه القانوني المصري، وما يجب أن يخضع له هذا المفهوم في الممارسة من ضوابط. وتشكل هذه الأبعاد والضوابط منطلقنا في تقييم المشاريع المطروحة وأساس توصياتنا بشأن مضمون القانون المنتظر.




