لا "تطوير" على أنقاض التراث الحي: على الحكومة وقف إجراءات تغيير الطبيعة التاريخية وحقوق رهبان دير سانت كاترين

بيان صحفي

9 أغسطس 2026

تجدد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مطالبتها للحكومة المصرية بوقف الإجراءات والضغوط الرامية لتغيير الطبيعة التاريخية والخصوصية الثقافية لموقع ومكونات دير سانت كاترين جنوبي سيناء، خاصة في ظل إعراب منظمة اليونسكو مجددًا عن مخاوف بشأن المساس بسلامة وأصالة الموقع المدرج على قائمة التراث العالمي بغرض "تطويره" كمشروع استثماري سياحي.

وفي اجتماعها السنوي المنعقد شهر يوليو الماضي، اعتمدت اللجنة الحكومية لحماية التراث العالمي التابعة لليونسكو -والمسؤولة عن مراقبة تنفيذ الاتفاقية الدولية لحماية التراث الثقافي والطبيعي- قرارًا بالإجماع، طالب الحكومة المصرية بوقف إجراءات تنفيذ مشروع "التجلي الأعظم- أرض السلام" لحين إجراء تقييم فني بشأن أثره على القيمة العالمية الاستثنائية لموقع سانت كاترين التراثي. واعتُمد هذا القرار -للمرة الثالثة- في ضوء تقرير المجلس الدولي للمعالم والمواقع (الإيكوموس) -المعني بحماية وصون التراث الثقافي المادي- والذي انتهى إلى أن "الإنشاءات التي أُجريت بالفعل في منطقة سانت كاترين التراثية، على خلفية تنفيذ مشروع التجلي الأعظم، قد تكون لها آثارٌ سلبية جسيمة دائمة على سلامة الموقع وأصالته". 

كما أوصى قرار لجنة اليونسكو بضرورة إيفاد بعثة لدراسة إمكانية أخذ تدابير عملية للتخفيف من الآثار السلبية الدائمة التي لحقت بالموقع التراثي بالفعل؛ مؤكدة أن الحفاظ على القيمة العالمية الاستثنائية لموقع سانت كاترين التراثي لا يتطلب فقط الحفاظ على دير سانت كاترين وعناصره المبنية والأثرية، بل يتطلب أيضاً الحفاظ على المشهد الطبيعي الكامل في محيط الدير. 

ورغم تأكيدات قدمتها الحكومة المصرية لليونسكو، حسب تقرير اللجنة، حول صدور توجيه من رئيس الجمهورية في سبتمبر 2025 بتعليق أعمال مشروع التجلّي الأعظم لحين التأكد من استيفاء متطلبات اليونسكو بشأن تقييم أثر المشروع على المنطقة التراثية؛ فإن تصريحًا أو قرارًا بهذا الشأن لم يُنشر في مصر ولم تُخطر به أبرشية الروم الأرثوذكس المستقلة بسيناء التي يتبعها الدير. كما أن تأكيدات الحكومة في التصريحات الصادرة من رئيس جهاز تعمير سيناء في يونيو الماضي بشأن الانتهاء من حوالي 97.5% من المشروع، وتصريح وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية في مايو الماضي بأن مشروع "التجلي الأعظم" يقترب من مراحله الأخيرة، تفيد بأن آثار مشروع التجلي الأعظم على المنطقة التراثية قد تمت بالفعل، حتى في حال صحة صدور تلك "التوجيهات الرئاسية". 

وتعرب المبادرة المصرية عن مخاوفها في ضوء إفادات حصلت عليها بمواصلة السلطات المصرية لإجراءات وضغوط على رئاسة ورهبان الدير لتوقيع اتفاق يكرس وضعًا قائمًا جديدًا على الأرض، ويقنن سلب ملكية الدير والأراضي التابعة له من الرهبان، واحتفاظهم بحق الانتفاع فقط للمواقع "ذات الطابع الديني"؛ ما يهدد بتغييرات ممتدة تمس ببيئة الدير ومحيطه التي حافظ عليها سكانه من الرهبان وغيرهم على مدار 14 قرنًا. 

ووفقًا لعدة إفادات من مصادر مقربة من الدير، فإن هذه الضغوط تتضمن رفض الحكومة المصرية التعامل مع رئيس الدير الحالي على نحو ما جرى مع سلفه؛ إذ لم تُصدِر الرئاسة قرارًا جمهوريًا بـ"تعيين" رئيس الدير الجديد للإقرار بتوليه منصبه رسميًا بعد انتخابه من مجمع الآباء في أكتوبر 2025. وحسب هذه الإفادات، فإن الحكومة المصرية تشترط مقابل تصديق رئيس الجمهورية على انتخاب رئيس الدير وتوليه منصبه قيام الدير بالتوقيع على الاتفاق الذي يكفل لرئيس الدير "الحيازة الدينية" التي تضمن له إقامة الشعائر الدينية فقط؛ على أن تقتصر الصيغة القانونية لوجود رئيس الدير على إقامة مدتها ثلاث سنوات "قابلة للتجديد"، دون منحه الجنسية المصرية كما جرى الحال مع أسلافه. 

وتخشى المبادرة المصرية أن تكون الضغوط الساعية لتكريس الوضع الجديد محاولة من الحكومة لاستباق حكم نهائي من محكمة النقض بشأن النزاع على ملكية الأراضي الواقعة بمحيط الدير. وكانت محكمة استئناف الإسماعيلية قد قضت في 28 مايو 2025 بما أسمته "الحيازة الدينية" لرئيس الدير على 29 موقعًا دينيًا دون تملكها؛ ورفضت دعوى الحكومة بطرد الرهبان من 17 قطعة أرض محررة بها عقود بيع ابتدائية بين رئيس الدير بصفته والحكومة. كما قضت المحكمة بطرد الرهبان من الأراضي التي ليس لها "طابع ديني" وتسليمها إلى محافظة جنوب سيناء بما عليها من منشآت وغراس وزرع. وتقدم طرفا الدعوى بطعنين على الحكم أمام محكمة النقض التي تنظرهما حاليًا.

ولا يُمكن فصل تعامل الحكومة مع أزمة ملكية الدير عن أعمال "تطوير" منطقة سانت كاترين التراثية؛ التي شهدت تغييرات كبيرة في إطار تنفيذ مشروع "التجلي الأعظم- أرض السلام"، والذي أطلقته الحكومة في نوفمبر 2021 بهدف التسويق لمدينة سانت كاترين عالميًا كوجهة للسياحة الروحانية، باعتبارها ملتقى للديانات الإبراهيمية الثلاثة. 

وترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الخطوات العملية التي تتخذها الحكومة لتغيير طبيعة الملكية والحيازة تنتهك التزامات الحكومة المصرية بموجب العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعلى رأسها مبدأ "عدم النكوص Non-retrogression" الذي يعتبر اتخاذ الحكومات خطوات عمدية تتراجع عن الحقوق الثقافية المكفولة بالفعل انتهاكًا للمادة 2(1) من العهد الذي صدقت عليه مصر وأصبح جزءًا من تشريعها الداخلي في 1982. 

وكانت الحكومة قد أقرت بملكية مُطران سيناء – ممثلًا عن أبرشية سيناء للروم الأرثوذكس– للدير "ومصلياته وحدائقه وممراته وجميع منشآته الأخرى"، في الطلب الذي تقدمت به لإدراج منطقة سانت كاترين على قائمة التراث العالمي في بداية الألفية.

 مقتبس من ملف تقديم مصر لإدراج منطقة سانت كاترين على قائمة التراث العالمي باليونسكو

وتجدد المبادرة المصرية تأكيدها على مسؤولية الحكومة عن التوصل لاتفاق يحفظ طبيعة الدير بوصفه تراثًا دينيًا حيًا، ويضمن لرهبانه حقوقهم في محيطه باعتباره فضاءً أساسيًا يمارسون فيه أنشطتهم اليومية في المنطقة التراثية التي يشكلون جزءًا منها. فقد ساهمت الحياة الرهبانية في سانت كاترين في تنمية الدير ومحيطه، من خلال تأسيس بنية تحتية تحقق اكتفاء الدير ذاتيًا. فلم تقتصر الحياة الرهبانية على الصلاةِ والتعبّد فحسب؛ بل شملت استصلاح الأراضي وحفر الآبار وتعاون الرهبان مع القبائل الموجودة في محيطهم من أجل إدارة الحياة بمنطقة سانت كاترين على أسس التعايش على مدى قرون. 

كان هذا التاريخ عنصرًا أساسيًا في تكوين طبيعة منطقة سانت كاترين التراثية الخاصة، وفي قلبها دير سانت كاترين والحياة الرهبانية القائمة فيه. فهو موقع تراثي مأهول بسكانه من الرهبان، وذلك على خلاف عديد الآثار غير المأهولة وغير المُستَخدَمة لأغراضها الأصلية. وتستدعي هذه الخصوصية وضع أطر قانونية للملكية تأخذ بعين الاعتبار الوضع الخاص لرهبان سانت كاترين. 

 

لمعرفة المزيد يمكنكم الاطلاع على: