في التقرير الخامس لـ"عين على الدين": صندوق النقد يواصل تجاهل الاختلالات الهيكلية للاقتصاد المصري
بيان صحفي
تنشر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اليوم، أحدث تقاريرها ضمن سلسلة "عين على الدين"، وتحلل فيه تقرير صندوق النقد الدولي عن مراجعتيه الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الائتماني الممتد بينه وبين الحكومة المصرية، كما يتناول التقرير أيضًا المراجعة الأولى لقرض صندوق الصلابة والاستدامة المرتبط بالتحول الأخضر.
يأتي هذا التقرير بعد إعلان صندوق النقد إتمام مشاورات المراجعة السابعة -وقبل الأخيرة- للقرض الممدد؛ إذ يُنتظرأن ينتهي برنامج الصندوق الحالي بحلول منتصف ديسمبر 2026.
يخلص تقرير المبادرة المصرية إلى أن الحكومة وصندوق النقد ما زالا متمسكين بإدارة الأزمة من الجانب النقدي والمالي بدون معالجة الإشكالات الهيكلية للاقتصاد؛ إذ تركز الحكومة على مرونة سعر الصرف وأسعار الفائدة المرتفعة وتقليص الإنفاق على الدعم والخدمات العامة والاستثمار، وبيع الأصول، واستهداف الفائض الأولي، كمحددات أساسية في استجاباتها لشروط الصندوق؛ وذلك من دون معالجة كافية لجذور الأزمة المتمثلة في ارتفاع تكلفة الدين، وهشاشة مصادر النقد الأجنبي، وضعف الاستثمار الإنتاجي، وتراجع الحماية الاجتماعية.
يؤكد التقرير أن استقرار سعر الصرف خلال فترة المراجعتين لا يعكس بالضرورة تعافيًا مستدامًا في قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، بقدر ما يعكس استمرار الاعتماد على تدفقات قصيرة الأجل من الأموال الساخنة، جذبتها مستويات الفائدة المرتفعة على أدوات الدين الحكومي. وهو ما يصعب إدارة الدين العام المحلي والخارجي جديًا؛ إذ تشكل مدفوعات الفوائد نسبة مرتفعة للإيرادات والمصروفات في الموازنة العامة.
تنبه المبادرة المصرية إلى أن هذا النمط من الاستقرار الشكلي يترك الاقتصاد المصري أكثر عرضة للتقلبات الخارجية، وهو ما حدث خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، لأن خروج هذه الأموال في لحظات التوتر الجيوسياسي أو اضطراب الأسواق العالمية يمكن أن يضغط سريعًا على الجنيه، وينقل أثر الأزمة مباشرة إلى أسعار السلع والخدمات.
وينتقد التقرير أيضًا الإشادة المتكررة من صندوق النقد بتحقيق فائض أولي مرتفع في الموازنة، معتبرًا أن الفائض الأولي تحول إلى هدف في حد ذاته، بينما يستبعد من الحساب العبء الأكبر على المالية العامة: فوائد الدين. فاستمرار تخصيص النسبة الأكبر من الإيرادات العامة لخدمة الدين، يعني عمليًا تضييق الحيز المالي المتاح للإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمار العام. وترى المبادرة أن التحسن المحاسبي في الفائض الأولي يخفي استمرار اتساع العجز الكلي وارتفاع الاحتياجات التمويلية، بما يبقي الدولة في دائرة دائمة من تدوير الديون بدل تقليل الاعتماد عليها.
ويتوقف التقرير عند ملف الخصخصة وبيع الأصول العامة بوصفه أحد أهم نقاط الخلاف في البرنامج. فبينما يقدم الصندوق برنامج التخارج باعتباره أداة لتوفير سيولة دولارية وخفض الدين وتعزيز دور القطاع الخاص، ترى المبادرة المصرية أن بيع الأصول تحت ضغط الأزمة لا يعالج جذور المشكلة، بل قد يؤدي إلى التفريط في أصول رابحة أو استراتيجية بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية، وتحويل جزء من عوائدها المستقبلية إلى الخارج في صورة أرباح للمشترين الأجانب.
وتشدد المبادرة المصرية على أن تحسين المنافسة لا يمر بالضرورة عبر البيع السريع للأصول العامة، بل عبر إصلاح قواعد السوق، وشفافية العقود، وتكافؤ المعاملة الضريبية والتنظيمية، والحد من الامتيازات التي تتمتع بها الشركات والمشروعات السيادية في مصر، وهي المصدر الأساسي لانعدام المنافسة في السوق في مصر.
وتدعو المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في ختام تقريرها إلى تبني مسار بديل يقوم على استراتيجية أكثر عدالة وصرامة لإدارة الدين العام، وتوحيد الموازنة بإدراج الهيئات والجهات الخارجة عن الموازنة، ووضع سقف واضح للاقتراض بأساس تشريعي، وتبني سياسة نقدية أكثر توازنًا، وإصلاح ضريبي تصاعدي يعتمد على ضرائب الدخل والثروة والأرباح الرأسمالية، عوضًا عن التوسع في الضرائب غير المباشرة. كما تطالب المبادرة المصرية بالتروي في برنامج الطروحات الحكومية، وزيادة مخصصات الحماية الاجتماعية، ونشر بيانات الفقر والدخل والإنفاق بصورة منتظمة وشفافة.
وتؤكد المبادرة المصرية أن الاستقرار الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق عبر مؤشرات مالية قصيرة الأجل أو بيع الأصول أو الاستجابة الضيقة لمطالب الدائنين، بل عبر سياسات اقتصادية تعيد توجيه الموارد العامة من خدمة الدين إلى الاستثمار في الناس، والإنتاج، والخدمات العامة، والحماية من الفقر والتضخم.



