المبادرة المصرية تدعو الحكومة المصرية لتسريع اعتماد وتطبيق اتفاقية العمل اللائق في اقتصاد المنصات
بيان صحفي
في خطوة لدعم وحماية العاملين بالمنصات حول العالم، أقر مؤتمر العمل الدولي في دورته رقم 114، بتوافق الدول الأعضاء، ومنهم مصر، الاتفاقية الدولية الجديدة بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، والتي وضعت حدّاً أدنى من الحماية الدولية الملزمة للمنصات تجاه العاملين في ذلك القطاع المتنامي.
تأتي هذه الاتفاقية في وقت يمر فيه عالم العمل بتحولات جذرية ناتجة عن التوسع المتزايد للمنصات الرقمية كجهاتِ للعمل، مما يفرض تحديات عابرة للحدود تمس حقوق ملايين العمال، ويخلق فجوات تنظيمية وثقتها تقارير المنظمة خلال السنوات الماضية، مما يتطلب تضافر الجهود الدولية لحمايتها.
المكتسبات القانونية والتنظيمية في النص النهائي للاتفاقية
نجحت اللجنة الفنية المقررة في صياغة واعتماد النص الكامل للاتفاقية المكونة من 33 مادة، والتي وضعت حدّا أدنى من الحماية الدولية الملزمة. وألزمت الاتفاقية الدول بضمان التصنيف الصحيح لعمال المنصات بناءً على واقع الممارسة الفعلية للأجر والأداء، وليس بناءً على المسميات أو العقود الرقمية التي تفرضها الشركات. كما كفلت الحق في حد أدنى للأجور والتعويض عن نفقات العمل للمصنفين في علاقة عمل رسمية، مع تمديد مظلة الحماية الاجتماعية وفقًا لطبيعة كل فئة وظيفية.
ونصت الاتفاقية أيضًا على حماية العمال من العنف والتحرش عبر الإنترنت، ومنحهم الحق في انسحاب آمن من مواقف العمل الخطرة بدون عقوبات رقمية خفية. وفرضت الشفافية والرقابة البشرية (Human Involvement) على قرارات الفصل المؤتمتة، مثل الإيقاف المفاجئ للحسابات أو حجب المستحقات.
ولا يعتبر اعتماد الاتفاقية جديدًا على السياق التاريخي للمنظمة، إذ أنها تتبع نهج التدخل الحمائي كلما فرضت التكنولوجيا أو التحولات الاقتصادية أنماطًا جديدة من العمل (Non-Standard Employment).
وتعد التدخلات الحمائية للمنظمة أعلى مراتب الإلزام للدول. فهناك على سبيل المثال "اتفاقية العمل المنزلي" عام 2011، و"اتفاقية العمل لبعض الوقت" عام 1994. فكما نجحت المنظمة تاريخيًا في مأسسة وإدخال العمالة المنزلية والعمالة عن بُعد تحت مظلة الحقوق الأساسية بعد فترات طويلة من إنكار صفتهم الوظيفية، تنجح اليوم في وضع حجر الأساس لعمالة المنصات الرقمية، مؤكدة أن "المرونة الاقتصادية" لا تعني إهدار العدالة الاجتماعية.
يمثل التوصل لاتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن اقتصاد المنصات خطوة تاريخية. إلا أن القراءة النقدية لمسودات تقارير المنظمة (التقرير الأصفر 2025) تكشف عن أبواب خلفية قانونية قد تُستغل كذرائع للتنصل من الالتزامات.
تتجلى الخطورة الأولى في المادة الخاصة بنطاق التطبيق (المادة الثانية)، والتي تمنح الدول الأعضاء صلاحية "استثناء فئات محدودة من العمال والمنصات" من الحماية. وهو استثناء فضفاض يهدد بإقصاء الفئات الأكثر هشاشة، مثل عمال المنصات السحابية، من أية مظلة حقوقية بحجة تعقيد نماذج عملهم. إذ تفرض طبيعة عملهم عبر الإنترنت صعوبة في الامتثال للقوانين المحلية، خصوصًا في ظل المنافسة الشرسة، مقارنة بالتطبيقات ذات المقر المعروف والمحدد الذي يفرض على الشركات الامتثال لقوانين البلد الواقع فيها المقر، كما تجعلهم في إطار تنافسي أقل.
أما الفخ التشريعي الثاني، فيكمن في ربط إنفاذ الحقوق الجوهرية - كالحق في المراجعة البشرية للخوارزميات أو تحديد الاختصاص القضائي- بعبارة "بما يتوافق مع القانون والممارسة الوطنية". وفي سياقات تشريعية كالسياق المصري التي يفتقر فيها قانون العمل الأحدث (2025) حتى الآن لأية آليات تنفيذية تحمي العاملين بالمنصات؛ فإن إحالة الاتفاقية الدولية للتشريع المحلي تُعد إفراغًا للمعاهدة من مضمونها، وتسامحًا دوليًا مع قصور الحماية الوطنية.
التوصية المفقودة: إقرار المبدأ العام وغياب آليات التنفيذ
الاتفاقية وضعت المبادئ المُلزمة (الحد الأدنى)، بينما لم يُتَّفَق بعد على التوصية، وهي التي تمثل كتيب الإرشادات التنفيذية" (The Implementation Manual). وجرت صياغة المسودة الفنية للتوصية على مدار العامين السابقين. وتشرح مسودة التوصية تفصيلًا كيفية التنفيذ، بما يتضمن مؤشرات إثبات علاقة العمل، وآليات التفتيش الرقمي على الخوارزميات، والالتزامات المالية للمنصات.
وأشار القرار الختامي للمؤتمر صراحة إلى أن اللجنة "لم يتوفر لديها الوقت الكافي لفحص ومناقشة نص التوصية المكملة للاتفاقية" نتيجة استغراق الوقت كاملًا في إقرار التوافق على كامل بنود الاتفاقية. وعدم إقرارها يعني أن الدول تُرِكت تواجه تحدي التطبيق بمفردها، مما يمنح الشركات مساحة للمناورة والالتفاف على القوانين المحلية.
تتجلى صعوبة المرحلة القادمة في الانقسام الحاد في مواقف الدول الكبرى أثناء التصويت، والذي رصده خبراء سياسات العمل والمدافعون عن الحقوق في جنيف. إذ يقف خلف إقرار الاتفاقية كتل داعمة بقوة مثل المكسيك، إسبانيا، أستراليا، وإندونيسيا؛ وفي المقابل، يقود جبهة الرفض المطلق الولايات المتحدة الأمريكية ونيوزيلندا، الرافضتان لأية قيود قد تهدد نماذج عمل شركاتها التقنية العملاقة مثل أوبر وليفت، معتبرة أن الاتفاقية تحوي بنودًا تقيِّد مرونة "اقتصاد العمل الحر" (Gig Economy). هذا الرفض الأمريكي، إلى جانب امتناع دول كبرى أخرى عن التصويت، مثل بريطانيا والأرجنتين، يضع عقبة أمام فرض معايير الاتفاقية عابرة الحدود (المادة 24)، إذ قد تتحصن الشركات بمقارها الرئيسية الرافضة للاتفاقية للتهرب من القوانين الحمائية الوطنية للدول الأخرى.
ماذا بعد الاتفاقية؟
دوليًا، في نوفمبر 2026 ستنعقد الدورة 358 لمجلس إدارة مكتب العمل الدولي، والتي أُنيط بها رسميًا، بموجب القرار الختامي، اتخاذ قرارات عاجلة لجدولة إعادة مناقشة وإقرار "التوصية المكملة"، وتخصيص الموارد المالية والفنية الكافية لدعم الدول في التطبيق. وستكون هذه النقاشات التي خاضتها الأطراف الثلاثة داخل المنظمة (الحكومة وممثلو العمال وممثلو أصحاب العمل) مجرد بداية. والتطبيق هو الأساس الذي سيستكمل من خلال القرارات والمفاوضات القادمة عبر مسارات ممتدة.
محليًا، يتعين في مصر أن تجلس نفس الأطراف على مائدة المفاوضات لمناقشة الوضع المحلي وتطبيق الاتفاقية وفقًا للآليات والسياسات المحلية، بما يضمن حماية حقوق العمال. ولكن بالطبع سيواجه الأمر تحديات قوية من أصحاب العمل. وإذ نص تقرير لجنة الخبراء الخاص بمنظمة العمل الدولية لعام 2026 بشأن تطبيق معايير العمل الدولية في مصر على أنه "يُطلب من مصر تقديم معلومات بشأن عرض الصكوك (الاتفاقيات والتوصيات) المعتمدة من منظمة العمل الدولية على السلطات المختصة (مجلس النواب) وفقًا للمادة 19 من دستور المنظمة"، سيتوجب على الحكومة المصرية عرض أي اتفاقية أو توصية جديدة تُقرها المنظمة على "مجلس النواب" خلال فترة زمنية محددة، غالباً ما تتراوح بين سنة و18 شهرًا من تاريخ إقرارها في المنظمة، لكي يقرر البرلمان ما إذا كانت القوانين المصرية الحالية تحتاج لتعديل لتتوافق مع هذه المعايير، أو ما إذا كان من مصلحة الدولة التصديق على الاتفاقية.
الاعتراف القانوني الصريح في قانون العمل المصري الجديد (14 لسنة 2025) بـ "أنماط العمل الحديثة"، كسر القالب الكلاسيكي لعلاقات العمل، وقدم بادرة إيجابية تتمثل في إدراج أنماط العمل الحديثة، والاعتراف بالعمل عن بُعد والعمل عبر المنصات الرقمية. ولكن، ما زالت القرارات الوزارية التي توضح الآليات التنفيذية والحماية الفعلية قيد التشكل.
وتبقى التحديات الرئيسية هي:
- قدرة العمال في إثبات علاقات العمل، واستغلال مبدأ المسؤولية التضامنية عبر اللجوء إلى مكاتب وسيطة للتعاقد مع العاملين، لضمان انتفاء مسؤولية العمل عليها.
- إتاحة برامج حماية اجتماعية مرنة بالتنسيق مع الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ووزارة المالية تسمح بإمكانية اشتراك هؤلاء الأشخاص في البرامج التأمينية. والتأمين الصحي عليهم ضد إصابات العمل منذ اليوم الأول للالتحاق بالعمل.
- الشفافية الكاملة في الأجور ورسوم التطبيقات والخصومات وعمولات مكاتب التوظيف.
- التأكيد على عدم اللجوء إلى الفصل الخوارزمي دون التواصل البشري وتوضيح الأسباب للأشخاص. خاصة أن معظم العاملين يكون لديهم مستحقات متأخرة يصعب عليهم الحصول عليها، أضف إلى ذلك عبء سداد الأصول (من الدراجة النارية أو الهوائية) عند قيام التطبيق فجأة ودون سابق إنذار بوقف حساب العامل.
يضع مؤتمر العمل الدولي لعام 2026 العالم أمام اختبار حقيقي لإقرار العدالة الرقمية. وبينما قطعت مصر خطوة أولى بالاعتراف بأنماط العمل الحديثة في قانون العمل لعام 2025، إلا أن سد الفجوات التنفيذية المتعلقة بالمسؤولية التضامنية، والشفافية الخوارزمية، والتمويل المستدام للحماية الاجتماعية لم يعد رفاهية؛ بل هو ضرورة تشريعية ملحة لنقل مئات الآلاف من الشباب المصري من خانة الهشاشة الرقمية إلى مظلة العمل اللائق المستدام.



