نحو الرحيل أو الفناء: جهود الدولة المصرية لمحو مواطنيها البهائيين

"في كل بداية جديدة أتوقف عند نفس النقطة، لأطرح نفس التساؤلات: متى يكتشفون [أنني بهائية]؟ ماذا سيكون رد فعلهم؟ هل ستسير الأمور بشكل طبيعي؟ يوجد دائمًا احتمالٌ خفيٌ بالرفض، وكأن شيئًا ما سيُعطل الأمور". 

بهذه الكلمات بدأت جميلة، التي تبلغ من العمر 24 عامًا، إجابتها عندما سُئلَت عما إذا كان لديها تخوفات من المستقبل كشابة مصرية بهائية. واستكملت:

"مثلًا، إذا أردتُ السفر، أو العيش في الخارج أو الدراسة في الخارج - وأنا أخطط لذلك - أشعر أن شيئًا ما قد يمنعني لمجرد أنني بهائية. في كل مرة أبدأ عملًا جديدًا، أتساءل: هل سيتقبل الناس هذه الحقيقة أم لا؟ ليس لأنني أسعى لأنال قبولهم، بل لكي أتمكن من مواصلة عملي، أو لكي يسير أي شيء أبدأه بسلاسة.

ثم هناك الزواج —هذا موضوع مرعب. إذا حانت تلك اللحظة، فسأكون قلقةً بشأن 5000 شيء مختلف. بطبيعة الحال، أول ما سأفكر فيه هو عقد زواج مدني خارج مصر من باب الاحتياط. أعلم أنه لن يُسجّل رسميًا هنا، لكن على الأقل يوجد عقدٌ ما.. في بلدٍ ما.. مشهود عليه، سنحتاج أي بلد ليشهد على العقد.

حتى بعدما أتجاوز هذه المرحلة، فهناك مجموعة جديدة من المخاوف في المرحلة اللاحقة في حياتي.. الأطفال: شهادات ميلادهم، مدارسهم... من يدري، قد نواجه مشاكل حتى في تطعيماتهم. الله أعلم. وماذا لو لم يكن زوجي مصريًا؟ هذه مشكلة أخرى تمامًا: محاولة توثيق العقد في مصر، أو إثبات الزواج. سيتحول الأمر إلى محنة ضخمة ومعقدة.

أو والدي - أطال الله عمره - إذا توفي، ماذا سيحدث لمعاش والدتي؟ هل ستتمكن من المطالبة به؟ هل سنواجه مشكلات تتعلق بالميراث وما شابه، هل ستسير الأمور بالطريقة التي ينبغي أن تسير بها؟ لأنه في النهاية، والدنا.

ماذا لو رغبت بالسفر، مجرد السفر. هناك بهائيون مُسجلون [في قوائم ترقُب] وتم استجوابهم. الله أعلم إن كان كل البهائيين تحت المراقبة الدائمة أيضًا أم لا. الله وحده يعلم، أنا لا أعلم، لكن هذا ليس مستبعداً.

 كما ترين، هناك دائمًا تخوُّف ما.. شيءٌ ما ينبغي أخذه في الاعتبار".

في هذه المرحلة المبكرة من عشريناتها، تشغل جميلة هذه الأسئلة القلقة التي لا توجد لها إجابات قاطعة. أسئلة تدفعها إلى رأسها خبراتٌ عاينها بهائيون مصريون آخرون يحيطون بها.

فأن تكون بهائيًا في مصر يعني أن تحمل إرثًا مُثقلًا بأعباء التأقلم الدائم مع غياب أكثر الحقوق أساسيةً؛ فمُنذُ الميلاد حتى الممات توُاجه بعقبات تجعل كل خطوة بسيطة في حياتك اليومية ساحةً محتملةً للنضال حتى لو لم تسعَ إليه. تبدأ رحلة الاستبعاد بشَرْطَةٍ في خانة الديانة في أوراقك الثبوتية. هذه الشَرْطَة تجعل من عقود الزواج بين البهائيين -عرفية كانت أو دينية أو مدنية معقودة في الخارج- مجرد ورقة لا تقر بها الدولة. وتجعل من استصدار شهادة ميلاد الأطفال ساحةً لمماطلة الأجهزة التنفيذية. وفي العمل تحرمهم "الشَرْطة" بدلالاتها من فرص إيجاد وظيفة لائقة في سوقٍ فُرصِه خانقة للجميع. وحتى في الموت، يواجه البهائيون ضيقًا لا يختلف عن ضيق الحياة؛ إذ ترفض المحافظات تخصيص قطع أراضٍ ليشتروها ويحيلوها مدافن لهم. وحتى مع كل ما تحمله الشَرطَة من وعود حتمية بعُسر حيواتهم، تظل حلمًا بعيد المنال بالنسبة لبهائيين لم يستوفوا "شروط" إدراجها في أوراقهم الثبوتية.

فالميراث الأبرز الذي ينتقل من جيلٍ لآخر منذ ستينيات القرن الماضي، هو ميراث الاستبعاد المؤسسي الذي تحول مع الوقت إلى محوٍ إداري. فالأصل في حياة المجتمع البهائي هو التهميش، بينما الاستثناء هو ما يخلقه أعضاء هذا المجتمع بما ينتزعونه من حقوق من خلال القنوات المُتاحة. 

خلف كل محطة من محطات هذه الحياة، تقف حزمة معقدة من الإجراءات والرحلات والمقابلات وتعنُت موظفين بالدولة –وأحيانًا امتناعهم– عن نظر طلب أو وضع ختم أو إصدار ورقة رسمية. وتُغلّف هذه الحزمة بحُجَج إدارية تعكس واقع البنية التحتية الإدارية لمنظومة تقصر الحق في "الاعتراف" بمعتقد ما على الثلاثة أديان الإبراهيمية، أو كما يُطلَق عليهم في الدستور والقوانين والأحكام القضائية "الأديان السماوية". 

ما خُلِق على مدار عقود في مُذكرات قانونية وعرائض دفوع وأحكام محاكم وقرارات إدارية، شكل "نظامًا عامًا" مُجهّزًا بآليات إقصاء مؤسسي يرسم حدود حياة البهائيين في مصر — فيجد البهائي نفسه "يحارب من أجل اللا شيء. [يـ]قضي عمرًا بأكمله من أجل اللا شيء" كما يقول وجدي؛ "نحن لا نطلب أي شيء صعب، نحن لا نطالب الدولة بالاعتراف بديننا مثلًا. نريد فقط بطاقات هويتنا، لنتزوج، لنطلق... لنعيش حياة طبيعية".

يهدف هذا التقرير إلى تقفي أثر "النظام العام" في حياة البهائيين في مصر في الفترة اللاحقة على إصدار حُكم المحكمة الإدارية العليا في عام 2009، الذي أقر بحق معتنقي أديان غير الإبراهيمية الثلاثة المُعتَرَف بها في الحصول على أوراق ثبوتية غير مُقيَّد بها دين لا يعتنقونه. وترتب على الحكم تعديل اللائحة التنفيذية لقانون الأحوال المدنية، يجيز تدوين شَرْطة (-) أمام خانة الديانة لهؤلاء المواطنين في وثائقهم الثبوتية مثل شهادات الميلاد والوفاة وبطاقات الرقم القومي وغيرها. غير أن هذا الحق مكفول حصرًا لمن لديهم أوراق ثبوتية صدرت سابقًا لهم أو لوالدهم أو كلا والديهم مُدوّن بها "بهائي" أو "—" أو "أخرى" أمام خانة الديانة.

رافقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أعضاء المُجتمع البهائي في نضالهم للحصول على هذا الحُكم. وواصلت مناصرة حقوق البهائيين محليًا ودوليًا وتقديم الدعم القانوني لهم كلما ظهر احتياج لذلك. ونتجت عن ذلك مجموعة من الدراسات والتوصيات السياساتية، إضافةً إلى رصد وتوثيق القضايا المُلحة التي طرحت نفسها على مر السنين. 

وخلال الفترة التي يغطيها البحث (2009-2025) شهدت البنية التشريعية والقضائية والتنفيذية -وكذلك الأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر- تغيراتٍ ضخمة، كان لها أثر في واقع ممارسة حرية الدين والمعتقد على المستويين الفردي والجماعي. هذا ليس أمرًا استثنائيًا؛ فلطالما كانت مساحات تشكيل الدين -خطابًا وممارسةً- مجالًا سياسيًا بامتياز تتدخل فيه الدولة بمؤسساتها؛ أحيانًا لتأميمه كليةً (كما في عهد الرئيس جمال عبد الناصر)، وأحيانًا لإطلاق بعض الفاعلين فيه إطلاقًا محسوبًا –حتى وإن لم يكُن محمود العواقب (كما في عهد الرئيس أنور السادات)، وأحيانًا أخرى لضبط حدود تنوعه بما لا يهدد وضع النظام السياسي القائم (كما في عهد الرئيس حسني مبارك). ولكن في كل هذه المقاربات ظل احتكار الدولة لدور "الإمام الحاكم لشؤون الدين" سمةً أساسيةً، تحكم تنوع استراتيجياتها في التعامل مع التعدد الديني. تغير هذا الوضع جزئيًا بما فرضته ثورة يناير من خلخلة لقبضة الأجهزة الأمنية التي كانت تدير عملية ضبط التعدد الديني، ولكن سُرعان ما أعادت سياسات الإخوان المسلمين في سنة حكمهم (2012-2013) نفس المقاربة لإدارة الدين ومؤسساته بشكل مركزي – حتى مع محاولات إشراك بعض حلفائهم الإسلاميين. 

أرسى النظام الحالي بعد عزل جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم في 3 يوليو 2013 نفس المقاربة المركزية؛ ففي لحظة مفصلية في تاريخ مصر المعاصر، انتقى عبد الفتاح السيسي بعناية الشخصيات التي ستكون أعمدة النظام الجديد. وفي مؤتمر تلاوة خطاب 3 يوليو، حضر في الصف الأول شيخ الأزهر وبطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وكان هذا المؤتمر ثمرة نقاش سابق شارك فيه كلاهما مع وزير الدفاع حينئذ عبد الفتاح السيسي وآخرين، واتفقوا فيه على خطوات "عودة مصر للمصريين". لم يكن هذا الحضور شكليًا، بل حمل رسالة واضحة للإطار الذي سيعمل من خلاله النظام الجديد: الحفاظ على الهوية الدينية للدولة أساسًا بين أسس تحالف الحكم الجديد، وضمانة لاستقراره في مواجهة تيارات الإسلام السياسي. ومنذ تلك اللحظة التأسيسية تصدر خطاب تحالف الحكم الجديد عنوان "استرداد الدين" من أيدي من عدتهم الدولة مختطفين، واتخذت الدولة والمؤسسات الدينية الرسمية لنفسها دور تنقيته مما لحق به من شوائب، وإعادة تقديمه في "صورته الصحيحة". وفي خضم عملية الاسترداد تلك، لم يخلُ هذا التحالف من بعض الخلافات التي وصلت حد الصراع أحيانًا. غير أن النظام السياسي نجح في النهاية في إحكام هيمنته على مفاصل الدين، واسترد سيطرة الدولة على كل وأي مُكوِّن للدين بمعنييه المؤسسي والخطابي. 

عملية الاسترداد هذه خلقت شروط الظرف الذي شكّل واقع المجتمع البهائي على مدار الأعوام الثلاثة عشر الأخيرة. فقد طرأ خلال هذه الحقبة ما غيّر أوضاع البهائيين في قضايا تمس واقعهم المُعاش، منها استخراج الأوراق الثبوتية، واعتراف أجهزة الدولة التنفيذية بالزواج بينهم، وشِدّة ونطاق المراقبة الأمنية لأفراد من المجتمع البهائي وتخصيص أراضٍ يشتريها البهائيون ويستعملونها كمقابر لدفن أمواتهم. 

وخلال هذه السنوات لم تتوقف محاولات البهائيين لانتزاع حقوقهم الأساسية من خلال التفاعل مع البُنى التشريعية والقضائية والتنفيذية في مصر، سواء من خلال التقاضي داخل مصر أو باستخدام آليات التقاضي الإقليمية (مثل اللجنة الأفريقية لحقوق الناس والشعوب)، أو من خلال الخطابات واللقاءات المتكررة مع المسؤولين الحكوميين والتقدم بمقترحات عملية لحل أزماتهم، أو عبر الزيارات المتكررة للمصالح الحكومية وتحويل غرف هذه المصالح إلى ساحة للمطالبة بالحق بشكل مباشر.

اقرأ الورقة كاملة من هنا