الأول منذ 2009: مجلس حقوق الإنسان الأممي يناقش أوضاع وانتهاكات الحق في المياه بمصر

بيان صحفي

13 سبتمبر 2026

يشهد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف غدًا، الاثنين الموافق 14 سبتمبر، عرض ومناقشة تقرير المقرر الخاص بالحق في المياه، بيدرو أروخو أغودو، بعد الزيارة الرسمية التي قام بها لمصر في شهر فبراير الماضي. 

وتضمنت الزيارة – وهي الأولى لمصر منذ 2009 - مشاهدات ولقاءات في القاهرة وكفر الشيخ والفيوم وأسوان وقنا. كما اجتمع المقرر الخاص بممثلين عن الوزارات والمؤسسات الحكومية والدولية والأكاديميين والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، ومن بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي التقت بالمقرر أثناء البعثة وفي أعقابها أثناء إعداده للتقرير الختامي. 

كما قدمت المبادرة المصرية مذكرة للمقرر الخاص كمساهمة في التقرير الذي يناقشه المجلس في دروته الحالية. وركزت المذكرة على موضوعات عدالة توزيع المياه والخدمات، والتشريعات المنظمة للقطاع، وأثر السياسات المائية على حياة السكان وأرزاق صغار المزارعين. وتناولت مسائل الخصخصة ومخاطر غياب الرقابة التنظيمية المستقلة على قطاع المياه والصرف الصحي، وآليات تحديد التعريفة والتوسع في العدادات مسبقة الدفع وتداعياتها على الفئات الأشد فقرًا، والتفاوت الجغرافي والاجتماعي في توزيع الاستثمارات والخدمات بين المدن الجديدة والمناطق الريفية والفقيرة. 

كما عالجت مساهمة المبادرة المصرية الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للحق في المياه، بما في ذلك حقوق العاملين بالقطاع، وغياب الحوار المجتمعي، وآثار القيود التشريعية على تداول المعلومات وتجريم الشائعات حول جودة المياه. وعلى صعيد السياسات المائية والزراعية، عرضت مخاطر التوسع الصحراوي الاستثماري في مشروع "الدلتا الجديدة" على حساب الدلتا القديمة، وتداعيات "الاقتطاع المزدوج" للمياه بفرع رشيد ومصارف الصرف الزراعي المعالجة، وما يسببه ذلك من ارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة تركيز التلوث وتملح التربة والمياه الجوفية وغياب دراسات الأثر البيئي والاجتماعي. وأخيراً، عرضت المذكرة أمثلة وحالات دراسية ميدانية (مثل ميت رهينة، وبرج رشيد، وواحة البحرية) لبيان أزمات الصرف الصحي والعدالة المائية، وقدمت حزمة توصيات لإصلاح حوكمة القطاع وإتاحة البيانات وضمان الحماية الاجتماعية والعدالة الجغرافية. 

تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، الذي سيناقش بجلسة الغد، أولى عناية خاصة بقضية اللامساواة والفقر واختلال الأولويات فيما يتعلق بالحق في المياه والصرف الصحي في مصر. 

فقد أشاد المقرر بالقفزة الإنشائية الملموسة لتوسيع شبكات المياه والصرف الصحي، ممتداً بثناء خاص على مبادرة "حياة كريمة" الرئاسية، التي رفعت نسبة تغطية الصرف الصحي في الحضر من 79% عام 2014 إلى 96% عام 2025، وفي الريف من 12% إلى نحو 60% خلال الفترة نفسها، وفقًا للبيانات الرسمية. غير أن هذا الإنجاز العمراني يصطدم بتفاوتات جغرافية واجتماعية؛ إذ يوجه التقرير إصبع الاتهام إلى أولويات الإنفاق العام، منتقدًا التفاوت بين الموارد المخصصة لـ “حياة كريمة" وتلك التي تحشدها الدولة للمشروعات العمرانية الكبرى، مطالبًا بإعطاء الأولوية في الموازنة للفئات المحرومة. وأورد مثالًا على اختلال توزيع المياه، يتمثل في حصول الفرد في المجمع السكني "نيو جيزة" على نحو 2.5 مرة نصيب الفرد في ميت رهينة بمركز البدرشين بالجيزة، حيث تفيد المعلومات التي تلقاها بأن نحو خُمس الأسر لا تتصل بالشبكة. 

ورفض المقرر الخاص اتخاذ الحكومة المصرية لندرة المياه مبررًا لحرمان السكان من احتياجاتهم الأساسية، مذكرًا بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة حددت القدر الأدنى من المياه اللازمة لحياة كريمة بما لا يقل عن 50 لترًا للفرد يوميًا، وبتطبيق هذا الحد على جميع سكان مصر فإن حجم المياه اللازم لتلبية احتياجات جميع السكان يزيد قليلًا على 2 في المائة من إجمالي الموارد المائية العذبة المتجددة في البلاد. واستنتج المقرر أنه "على الرغم من تأكيد الحكومة أن البلد يواجه عجزًا مائيًا هيكليًا يقدر بنحو 20 ألف هكتومتر مكعب سنويًا، فإن هذا العجز لا يمكن اعتباره عائقاً يحول دون إعمال حقوق الإنسان في الحصول على مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي؛ مؤكدًا على أهمية "إعطاء الأولوية لخدمات مياه الشرب والصرف الصحي على حساب الاحتياجات الزراعية والصناعية من المياه." 

ويتوقف التقرير عند كلفة بيئية باهظة يدفعها شمال البلاد؛ حيث يحذر من أن تحويل مياه النيل ومصارف الدلتا نحو المشروعات الصحراوية الجديدة يسرّع من تملّح التربة والمياه الجوفية، مهدداً خصوبة الأراضي الزراعية ومصادر مياه الشرب لملايين السكان. ويوضح التقرير أن تغلغل مياه البحر في خزان الدلتا الجوفي بلغ بالفعل 100 كيلومتر داخل اليابسة، نتيجة تلاقي ثلاثة عوامل؛ ارتفاع منسوب البحر، والضخ المفرط، وتحويل مجاري المياه العذبة، مستشهدًا بدراسة أُجريت في شمال شرق الدلتا، رصدت ارتفاع نسبة الملوحة في 64% من عينات التربة و87.5% من عينات مياه الري التي فحصتها. 

ولم يغفل التقرير رصد الإفراط في سحب المياه الجوفية في الدلتا، مستدلًا بوجود نحو 73 ألف بئر عام 2016، مما سرّع من ترسب المياه المالحة إلى الخزان الساحلي. وينبه المقرر إلى أن تشغيل جزء كبير من هذه الآبار خارج الأطر الرسمية يجعل الخزانات الضحلة مستباحة للتلوث الكيميائي الزراعي، والنفايات الصناعية، وصرف مياه الصرف الصحي. ومن هنا، يرى الخبير الأممي أن التضحية بالدلتا -ذات الإنتاجية الزراعية التاريخية- عبر توجيه مقدراتها المائية لري الصحراء في مشروعات تفتقر للجدوى الاجتماعية والاقتصادية، يهدد استدامة الأراضي الأكثر قيمة في البلاد.

في الجانب التنظيمي، أبدي المقرر قلقًا من الآثار المترتبة على إفساح المجال للشركات الخاصة بموجب القانون رقم 172 لسنة 2025 الخاص بإصدار قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي؛ إذ يخشى أن يدفع هذا التحول بالأسعار إلى مستويات تفوق القدرة المالية للأسر الأشد فقرًا. ويحذر التقرير من آلية القطع التلقائي للمياه عبر العدادات مسبقة الدفع، والتي تنذر بحرمان البيوت من المياه عند العجز المادي، دون وجود ضمانات تكفل حدًا أدنى للاستخدامات الحيوية اليومية. وانتقد المقرر غياب التوازن في حوكمة هذا القطاع؛ حيث يُسمح للشركات التجارية بالمشاركة في توجيه الجهة المنظمة للمرفق، في حين يُستبعد المستهلكون والمجالس المحلية من التمثيل. ولتحقيق حد أدنى من الرقابة، يشدد التقرير على ضرورة إتاحة ونشر بيانات التكلفة التشغيلية التي تُبنى عليها أسعار التعريفة. 

وخصص التقرير مساحة لحجب المعلومات وأثره على الرقابة والمساءلة. فقد أبلغ مسؤولون المقرر بأن الجهات المختصة تحلل نحو 13 مليون عينة مياه سنويًا، لكنها لا تنشر النتائج لأسباب تتعلق بالأمن القومي وصعوبة فهم الجمهور لها. وهو ما لم يقبله الخبير الأممي، مؤكدًا مسؤولية الحكومة عن تقديم هذه البيانات بصيغة مبسطة مفهومة، لافتاً إلى أن حجب الحقائق المرتبطة بالصحة العامة يغذي انعدام الثقة. كما لفت إلى استمرار غياب قانون ينظم الحق في الحصول على المعلومات، رغم إقرار الدستور بملكية الشعب للبيانات والوثائق الرسمية.

ويتجاوز التضييق حدود إخفاء البيانات إلى الترهيب القانوني؛ إذ توقف التقرير عند المادة التي تجرّم نشر ما يوصف بـ "الشائعات" حول جودة المياه في القانون رقم 172 لسنة 2025، والتي تفرض غرامات تتراوح بين 50 ألفاً و500 ألف جنيه. ويرى الخبير الأممي في هذا النص قيدًا يعوق النقاش العام، ويجهض المحاولات العلمية والبحثية للتحقق من سلامة المياه، فضلاً عن تقويض حق المواطنين في الشكوى والرقابة المستقلة.

وفي خاتمة تقريره، طرح المقرر الخاص حزمة من التوصيات بمثابة خارطة طريق لتصحيح المسار؛ تبدأ بإعادة صياغة السياسات وبنود الموازنة لتكون الأولوية لتوفير مياه الشرب والصرف الصحي للفقراء والمناطق المحرومة، مقدَّمةً على توسعات المدن الجديدة والاستثمار الزراعي في الصحراء، مع تعزيز مخصصات مبادرة "حياة كريمة" وإتاحة تفاصيل تنفيذها للعلن.

 وعلى الصعيد البيئي، يوصي التقرير بحماية التدفقات المائية المغذية للدلتا، والتصدي بحزم للتلوث الصناعي والزراعي عبر تفعيل المبدأ القانوني الذي يُلزم الجهات الملوِّثة بتحمل كلفة الضرر وإصلاحه. وفيما يخص الحوكمة والحقوق الأساسية، يشدد التقرير على ضرورة كسر طوق السرية بنشر نتائج تحاليل عينات المياه دورياً، وإلغاء القيود التشريعية التي تجرم نقد جودة الخدمة أو تقيد النقاش العام حولها. كما يدعو إلى تمكين المجالس المحلية والسكان -وبخاصة النساء- من المشاركة الفعلية في إدارة المرفق ومراقبته.

ودعا الخبير كذلك إلى ضمان هذه الحقوق المائية الأساسية للاجئين والمهاجرين دون النظر لوضعهم القانوني، وكفالة توفير مياه مأمونة وصرف صحي لائق للمحتجزين داخل السجون والأقسام، فضلاً عن تعزيز التفاوض والتعاون المشترك مع الدول التي تتقاسم معها مصر حوض النيل وخزان الحجر الرملي النوبي. 

للاطلاع على التقرير الأممي باللغة العربية: https://docs.un.org/en/A/HRC/63/34/Add.1