بعد إعلان مبادرة رئيس الجمهورية: حقوق أطفال مرضى السكري من الوعود والدعاوى الفردية إلى حق جماعي

بيان صحفي

14 يوليو 2026

ترحب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بإعلان وزارة الصحة والسكان، في يوم 22 يونيو الماضي، عن التدشين الرسمي لمبادرة رئيس الجمهورية لرعاية أطفال السكري، بوصفها خطوة إيجابية في اتجاه الاعتراف بحق نحو 55 ألف طفل مصري مصاب بداء السكري من النوع الأول في رعاية صحية تحفظ كرامتهم، وتخفف من الأعباء اليومية المرهقة التي يفرضها المرض عليهم وعلى أسرهم. غير أن المبادرة المصرية تشدد على أن هذا الإعلان يأتي بعد مسار طويل من التصريحات والتوصيات والوعود بالدعم، التي لم تتحول بعد إلى منظومة شاملة تغطي مظلتها جميع الأطفال المستحقين، وأن النجاح الحقيقي لهذه المبادرة يعتمد على توفير أجهزة مضخات الأنسولين لكل طفل يحتاجها، بغض النظر عن مكان إقامته أو قدرة أسرته على تحمل التكلفة.

حق ينتُزع بشكل فردي أمام القضاء

لم يكن انتظار الأسر المصرية لموقف رسمي شامل خيارًا، بل واقعًا فرضته سنوات من الامتناع الإداري عن صرف مضخات الأنسولين لأطفال مسجلين بالفعل في نظم التأمين الصحي. فمنذ عام 2021، أصدرت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية خمسة أحكام نهائية غير مطعون عليها ألزمت الهيئة العامة للتأمين الصحي بصرف الأنسولين وأقلامه وأجهزته للتلاميذ مرضى السكري مجانًا. 

وفي عام 2022، نجحت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في انتزاع حق طفلة في العلاج، بعد دعوى أقامتها نيابة عن أسرتها، وانتهى فيها قرار المحكمة إلى إلزام الهيئة العامة للتأمين الصحي بتحمل كامل تكاليف علاجها. 

وفي مارس 2026، وبعد عام كامل من التقاضي شهدت خلاله الطفلة صاحبة القضية نوبتين من الغيبوبة بسبب تذبذب حاد في مستوى السكر، أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمًا في دعوى أخرى للمبادرة المصرية، قضى بإلغاء امتناع الهيئة العامة للتأمين الصحي عن صرف وتركيب مضخة الإنسولين الآلية «G780» ومستلزماتها الشهرية، مؤكدة في حيثياتها أن الرعاية الصحية ليست منحة أو خدمة اختيارية تخضع لاعتبارات مالية، بل التزام قانوني ودستوري لا يجوز التنصل منه مهما بلغت التكلفة.

هذه الأحكام المتراكمة على مدى خمس سنوات تثبت أمرين في آن واحد: أن حق الطفل المصاب بالنوع الأول من داء السكري في الحصول على مضخة الأنسولين هو حق قائم أصلاً وتؤكده المحاكم المصرية مرارًا استنادًا لقانون التأمين الصحي على الطلاب وقانون التأمين الصحي الشامل. وتثبت أيضًا أن الجهات الإدارية المعنية تصر على معاملة هذا الحق باعتباره استثناءً لا يحصل عليه صاحبه إلا  بعد انتزاعه بحكم قضائي، بدلاً من أن يُصرف كحق تلقائي. والنتيجة العملية لذلك أن الاستفادة الفعلية من هذا الحق باتت مرهونة بقدرة الأسرة على تحمل عناء التقاضي لعام كامل أو أكثر، وعلى الوصول لمحامٍ أو منظمة حقوقية تتبنى قضيتها؛ بينما تبقى آلاف الأسر الأخرى ممن لا تملك هذه القدرة بلا أي وسيلة لانتزاع نفس الحق الذي أقرته المحاكم لغيرها.

وعود برلمانية سابقة تبخّرت: من توصية مجلس الشيوخ إلى ملف مجمّد

لم يكن التقاضي هو الوسيلة الأولى أو الوحيدة التي تمت تجربتها في محاولة لحسم هذا الملف عبر القنوات الرسمية. ففي يناير 2023، أوصت لجنة الصحة والسكان بمجلس الشيوخ صراحة بضرورة إدراج مضخة الأنسولين ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، نظرًا لبعدها الإنساني في التعامل مع الأطفال، مستندة إلى مقترح نيابي أشار إلى أن مصر تحتل المركز العاشر عالميًا في الإصابة بالنوع الأول من داء السكري. وفي الجلسة ذاتها، أعلن مسؤولو هيئة الشراء الموحد أنهم أنهوا دراسة ملف علاج مرضى السكري بدون وخز، وحددوا التكلفة المادية للمواصفات المطلوبة، وأن الهيئة جاهزة لتفعيل العقود مع الموردين فور صدور قرار بذلك. 

بعبارة أخرى: كانت المرجعية الإدارية والمالية لحل هذا الملف جاهزة منذ أكثر من ثلاث سنوات، لكن القرار السياسي والإداري اللازم لتفعيلها لم يصدر، وتُرك الملف معلقًا إلى أن عادت مبادرة رئاسية جديدة، محدودة النطاق، لتطرحه من جديد دون أن تستند صراحة إلى ما سبق إنجازه من عمل فني أو ما صدر من أحكام قضائية.

لماذا تمثل مضخة الأنسولين أولوية صحية لا ترفًا علاجيًا

يعتمد علاج داء السكري من النوع الأول كليًا على الحصول على الأنسولين من مصدر خارجي، ويمثل الأطفال الفئة الأكثر تضررًا من صعوبات هذا العلاج؛ إذ يضطر الطفل المصاب إلى تحمّل ما بين ثماني وعشر وخزات يوميًا عبر الحقن التقليدية أو أجهزة قياس السكر المتقطعة، أي ما يزيد على 3600 وخزة سنويًا، وفق ما أشار إليه بيان الوزارة ذاته. وقد أظهرت الدراسات الطبية المحلية والدولية أن مضخة الأنسولين، خاصة عند دمجها مع جهاز المراقبة المستمرة للسكر، تحقق استقرارًا أفضل بكثير في مستويات السكر، وتقلل بشكل حاد من زيارات الطوارئ ودخول المستشفيات؛ وهو ما تؤكده بيانات المرحلة الأولى من المبادرة نفسها، حيث انخفض معدل زيارات الطوارئ من 1.11 إلى 0.08 زيارة لكل طفل سنويًا، وانخفض معدل الدخول للمستشفى من 0.70 إلى 0.08 حالة.

هذه النتائج لا تعكس فقط تحسنًا في المؤشرات الطبية، بل توفيرًا مباشرًا في الإنفاق الصحي العام على المدى المتوسط والطويل، بما يجعل الاستثمار في مضخات الأنسولين خيارًا رشيدًا اقتصاديًا لا عبئًا ماليًا كما يُصوَّر أحيانًا.

من التصريحات المتكررة إلى الأثر الملموس: أين لا تزال الفجوة قائمة؟

رغم أهمية ما تحقق حتى الآن، فإن نطاق المبادرة الحالية لا يزال محدودًا للغاية؛ إذ لم يتجاوز عدد الأطفال المسجلين بها 143 طفلاً، من بينهم 47 طفلاً فقط أكملوا ثلاثة أشهر من المتابعة، في حين تخطط الوزارة للتوسع تدريجيًا لتشمل ثمانية مراكز متخصصة على مستوى الجمهورية بحلول نهاية عام 2027. 

وبمقارنة هذا الرقم بعدد الأطفال المصابين بالنوع الأول، والذي يقارب 55 ألف طفل بحسب تصريحات الوزير، ونحو 50 ألف طفل مسجلين بالهيئة العامة للتأمين الصحي وحدها بحسب بيانات سابقة، يتضح أن المبادرة في صورتها الحالية -على قيمتها- لن تصل في المدى المنظور إلا لنسبة ضئيلة من الأطفال المستحقين. كما أن اعتماد المبادرة على تمويل ودعم من جهات مانحة وشركاء من القطاع المصرفي -رغم أهمية هذا التكامل- يجعل استدامتها مرهونة بإرادة واستمرارية هذا الدعم، بدلاً من أن تكون حقًا مكفولًا ومستقرًا ضمن الإطار القانوني والمؤسسي لمنظومة التأمين الصحي.

المسار العملي المقترح لإدراج مضخات الأنسولين ضمن التأمين الصحي الشامل

تذكِّر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بأن المرجعية الفنية لهذه الخطوة قائمة بالفعل؛ إذ سبق لهيئة الشراء الموحد أن أعلنت انتهاءها من دراسة ملف علاج مرضى السكري بدون وخز وتحديد التكلفة المادية للمواصفات المطلوبة. كما سبق للجنة الصحة والسكان بمجلس الشيوخ أن أوصت بإدراج مضخة الأنسولين ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل. وبناءً على ذلك، تطرح المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مسارًا عمليًا متدرجًا يمكن البناء عليه:

  • تفعيل قرار الشمول التأميني: إصدار قرار رسمي بضم مضخات الأنسولين وأجهزة المراقبة المستمرة للسكر ومستلزماتهما الشهرية إلى الحزمة الأساسية لقانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018، بالإضافة إلى حزمة نظم التأمين الصحي الأخرى القائمة بالمحافظات التي لم يطلها التأمين الصحي الشامل حتى الآن. هكذا يصبح الاستحقاق قائمًا على معايير طبية موحدة لا على المشاركة في مبادرة محدودة العدد.

  • تحديد أولوية سريرية واضحة: اعتماد بروتوكول طبي موحد بالتنسيق مع اللجنة العلمية للمبادرة الرئاسية يحدد معايير الأولوية في الصرف (الأطفال دون سن معينة، وحالات عدم الاستقرار المتكرر لمستوى السكر، والحالات المهددة بمضاعفات حادة)، لضمان توزيع عادل للموارد المتاحة أثناء مرحلة التوسع التدريجي.

  • تفعيل التعاقدات المركزية لخفض التكلفة: استكمال هيئة الشراء الموحد لتعاقداتها مع الموردين على أسعار تفضيلية للمضخات ومستلزماتها، بالنظر إلى أن السعر الحالي للمضخة الواحدة في السوق المصري يتراوح بين 140 و165 ألف جنيه، إضافة إلى تكلفة شهرية للمستلزمات؛ وهي أعباء تفوق قدرة الغالبية العظمى من الأسر المصرية. بينما يمكن للتعاقدات الحكومية المُجمّعة خفض هذه التكلفة بشكل كبير كما أظهرت تجارب مستشفيات جامعية مصرية سبق أن وفرت المضخة لأطفال عياداتها بأسعار مخفضة.

  • بناء القدرة التدريبية والتأهيلية: توسيع برامج تدريب الأسر والأطقم الطبية على الاستخدام الآمن للمضخات وحساب الجرعات والتعامل مع الأعطال والطوارئ، بالتوازي مع كل دفعة توسع، بما يضمن أن لا يجري التوسع الكمي على حساب جودة المتابعة.

  • جدول زمني معلن وقابل للمساءلة: نشر خطة توسع مرحلية واضحة المعالم والمواعيد، تحدد أعداد الأطفال المستهدفين والمحافظات في كل مرحلة، بدلًا من الاكتفاء بالإعلان عن هدف نهائي لعام 2027 دون محطات وسيطة قابلة للمتابعة والمساءلة المجتمعية.

  • رقابة مستقلة وشفافية في البيانات: نشر تقارير دورية عامة عن أعداد المستفيدين والمؤشرات الصحية ومصادر التمويل، بمشاركة منظمات المجتمع المدني المعنية بالصحة وحقوق الطفل، بما يعزز الثقة العامة في المبادرة ويحول دون تحوّلها إلى إجراء دعائي موسمي.

  •  مشاركة أصحاب الحقوق: ضمان تواجد مستمر وثابت لممثلين عن أسر أطفال السكري داخل اللجنة العلمية للمبادرة ولجان المتابعة والتقييم، تماشيًا مع إعلان وزارة الصحة أن عام 2026 هو "عام صوت المريض".

ولحين تنفيذ تلك الخطوات نحو إتمام إدراج مضخات الأنسولين ضمن التأمين الصحي الشامل، تطالب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وزارة الصحة والسكان والهيئة العامة للتأمين الصحي وهيئة الشراء الموحد بهذه الخطوات الفورية:

 

  • إصدار تعليمات رسمية للهيئة العامة للتأمين الصحي بتعميم مضمون الأحكام القضائية المتكررة منذ عام 2021 على جميع الحالات المماثلة تلقائيًا، بحيث تُصرف مضخات الأنسولين لكل طفل تنطبق عليه الشروط الطبية، دون أن تضطر كل أسرة على حدة لخوض معركة قضائية قد تمتد لعام أو أكثر، وقد تكلف الطفل مضاعفات صحية جسيمة في انتظار الحكم.

  • الإسراع بإصدار القرار الوزاري اللازم لإدراج مضخات الأنسولين ومستلزماتها ضمن الحزمة العلاجية الأساسية للتأمين الصحي لجميع الأطفال المصابين بالنوع الأول من داء السكري، دون قصر الاستفادة على المسجلين في مبادرة بعينها.

  • الإعلان عن جدول زمني تفصيلي ومُلزم للتوسع الجغرافي للمبادرة، يشمل معايير واضحة لاختيار المحافظات والمراكز الصحية.

  • ضمان تمويل مستدام من الموازنة العامة للدولة، لا يقتصر على تبرعات القطاع المصرفي والجهات المانحة، صونًا لاستمرارية الخدمة بمعزل عن تقلبات الدعم الخارجي.

  • إشراك منظمات المجتمع المدني العاملة في مجالي الصحة وحقوق الطفل وممثلي المرضى وأسرهم في تصميم ومتابعة وتقييم مراحل التوسع، بما يعزز الشفافية والمساءلة العامة حول أداء المبادرة.

وتجدد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تأكيدها أن الحق في الصحة حق أصيل مكفول بموجب الدستور المصري وأن المحاكم المصرية أثبتت عبر خمس سنوات أن صرف مضخات الإنسولين ومستلزماتها جزء من هذا الحق. والمطلوب الآن هو إرادة إدارية تنقل هذا الحق من ساحات المحاكم وقاعات المؤتمرات الصحفية إلى حياة كل طفل مصاب بالنوع الأول من داء السكري في مصر، بلا استثناء وبلا انتظار.

إن مصر لا تحتاج اليوم إلى مزيد من التصريحات أو التوصيات أو حتى الأحكام القضائية المتفرقة، فكل هذه الخطوات قُطعت بالفعل خلال السنوات الماضية دون أن تتحول إلى منظومة تصل لكل بيت فيه طفل مصاب. بل يجب تتحول رعاية أطفال السكري من وعد رئاسي إلى واقع تعيشه ملايين الأسر المصرية بالفعل.