دليل البراءة محبوس في الدرج.. قراءة في حكم حبس طبيبة بتهمة نشر شهادتها

4 أغسطس 2026

في منتصف يونيو الماضي، راج أحد منشورين كتبتهما الطبيبة أمنية سويدان على حسابها الشخصي في "فيسبوك"، سردت فيهما بعضًا من مشاهدات عايشتها أثناء قضائها فترة التدريب الإلزامي المعروف بـ “الامتياز" في قسم أمراض النساء والتوليد في مستشفى الشاطبي الجامعي بالإسكندرية. وبعد ساعات من رواجه ألقت قوة أمنية القبض على الطبيبة الشابة وأحالتها إلى النيابة التي وجهت لها قائمة التهم المعتادة، ومنها نشر وإذاعة أخبار كاذبة.

في منشوريها نسبت الطبيبة إلى بعض العاملين بالمستشفى ارتكاب وقائع تمس سلامة وكرامة المريضات والمترددات على المستشفى، من بينها استعمال العنف والترهيب، والاعتداء عليهن، وادعاءات بوقوع اعتداءات جنسية وهتك عرض، والإهمال في تقديم الرعاية الطبية، وغير ذلك من الوقائع التي "من شأنها المساس بسمعة المستشفى وإثارة الرأي العام ضدها" على حد توصيف النيابة العامة. وهي اتهامات تتعارض مع عدم كون مستشفى الشاطبي الجامعي هيئة قضائية أو نظامية من الهيئات المعاقب على إهانتها وفقًا لنصوص المادتين 184 و186 من قانون العقوبات.

جاء القبض على الطبيبة الشاب بناء على أمر أصدرته النيابة العامة بضبطها وإحضارها بتاريخ 16 يونيو 2026. وفي اليوم التالي استجوبتها النيابة العامة، ثم أخلت سبيلها بكفالة مالية، وسرعان ما أحالت القضية للمحكمة بقرار يعكس تعدد الاتهامات التي وجهتها النيابة للطبيبة عن فعل واحد هو نشر البوست، والازدواجية في توجيه تهمتي إذاعة أخبار كاذبة ونشر أخبار كاذبة، وهما تهمتان منفصلتان يحكم كلًا منهما نص قانوني وعقوبة متباينة. 

وجاء توجيه التهمتين معًا عن الفعل نفسه مجافيًا لمنطق القانون، كون النشر وسيلة من وسائل تحقيق الذيوع. كذلك وجهت لأمنية اتهامات تتصل بنص المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهي مادة فضفاضة تنطوي كل جملة منها على جريمة مستقلة. ولم تحدد النيابة أي جريمة قصدت توجيهها للطبيبة الشابة من بين الجرائم العديدة التي احتوت المادة عليها، كانتهاك الخصوصية أو التعدي على "القيم الأسرية" أو الإزعاج وغيرها من الأفعال المختلفة.  وأضافت النيابة لقائمة الاتهامات الجريمة المعتادة وهي استخدام حساب إلكتروني لارتكاب هذه الجرائم.

وفي 4 يوليو 2026 صدر الحكم بحبس أمنية سويدان ستة أشهر مع الشغل، وتغريمها مبلغ عشرين ألف جنيه، وأمرت المحكمة بوقف تنفيذ عقوبة الحبس فقط لمدة ثلاث سنوات، تبدأ من تاريخ صيرورة الحكم نهائيًا. وبرّأتها من تهمة استخدام حساب إلكتروني بقصد ارتكاب الجريمة. 

إلا أن نص حيثيات الحكم ضم العديد من الإشكاليات القانونية التي طالما تعرضت لها المحاكم عند نظر جرائم تعبير؛ لتنضم إلى جملة الانتهاكات التي تعرضت لها أمنية سويدان لمجرد كتابة شهادتها التي عاينتها بنفسها خلال فترة الامتياز، والتي تؤكد شهادات وبلاغات عدة أعلنت بعد انتشار شهادتها مدى دقتها، وانتشار هذه الممارسات في مستشفيات ووحدات التوليد وأمراض النساء في مناطق عدة في مصر.

 

القبض بلا ضرورة

القبض على الأفراد، بما فيه من مساس بحريتهم، قُيِّد بالعديد من الضوابط الدستورية والقانونية، منها حالة التلبس بجريمة، واستصدار أمر قضائي بضبط المتهم/ة، مشروطًا برفض الحضور طواعيةً وفقًا لقانون الإجراءات الجنائية. وتغاضى مأمورو الضبط عن تلك الضوابط القانونية الواضحة وقرروا القبض على الطبيبة عنوة، بدلًا من استدعائها للحضور أمام جهات التحقيق بالمخالفة للقانون، وهو في حد ذاته ترهيب يعيب إرادتها ويبطل الاستجواب، لكن المحكمة تجاهلت بطلان إجراء القبض بالمخالفة للقانون وما تلاه من إجراءات الاستجواب، وهو بطلان كان يفترض أن يترتب عليه القضاء بالبراءة.


حقيقة غائبة وبلاغات حبيسة الأدراج 

تقدمت مواطنات عديدات ببلاغات عن انتهاكات تعرضن لها من أطقم أطباء وتمريض مستشفى الشاطبي، مماثلة لما جاء بمنشور الدكتورة أمنية، وتمسك دفاعها باعتقادها في صحة ما نشرت بحسن نية، وأن هناك العديد من البلاغات ضد انتهاك الجهة الشاكية (المستشفى)، وطلب الدفاع وقف الدعوى لحين الفصل في هذه الشكاوى والتأكد من صحة ما نشرته. إلا أن رد المحكمة كان أن الدعاوى التي سبق الفصل فيها، هي ما يعلق نظر الدعوى دون سواها، وأن المحكمة لن تلتفت إلى هذه البلاغات التي تؤكد صحة ما نشر وتزيل التأثيم عن الطبيبة، وتحد من السرعة في إحالة البلاغ المقدم من المستشفى ضد الطبيبة. عمليًا؛ جمدت المحكمة أثر البلاغات الأخرى المقدمة ضد المستشفى والتي كان يمكن لها أن تظهر حقيقة ما نشرته الطبيبة، خاصة أن المحكمة استندت في إدانتها إلى قيام الطبيبة بالنشر "دون أن يكون لديها من الدليل ما يعضد أو يؤيد صحة ما نشرته"، مع أن تلك البلاغات وما تضمنته دليل يعضد ويؤيد صحة ما نشر.


تأسيس قانوني جديد: غياب القصد لدى صاحب الحساب الإلكتروني لا يوقع الجريمة

في 29 نوفمبر 2021 أصدرت المحكمة الاقتصادية بالقاهرة حكمًا في القضية المقيدة برقم 1591 لسنة 2021، والتي وجهت فيها النيابة العامة إلى مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت تهمة إنشاء وإدارة واستخدام حساب إلكتروني لارتكاب جريمة. وأقرت المحكمة سابقة قضائية فقضت بأن التجريم في حالات النشر يطول مدير الموقع فقط، وليس مستخدم الحساب. وتواترت المحاكم على تطبيق هذا المبدأ لكن الحكم ضد الطبيبة أقر مبدأ قضائيًا آخر لتبرئة الطبيبة من تهمة استخدام حساب إلكتروني لارتكاب جريمة النشر، وهو ضرورة توافر قصد خاص؛ أي لا بُد أن يكون إنشاء أو إدارة الحساب الإلكتروني قد تم ابتداءً بقصد ارتكاب الجريمة موضوع الاتهام أو تسهيل ارتكابها، أو أن إنشاءه كان وسيلة أعدت خصيصًا لهذا الغرض. أما مجرد النشر على الحساب الشخصي "فيسبوك"، فلا يكفي وحده لتوافر أركان الجريمة المقررة بالمادة 27 من قانون مكافحة تقنية المعلومات.


تعديل القيد والوصف

لا ينبغي للمحكمة أن تأخذ وصف النيابة على علاته، ولا أن تسير خلفه سيرًا أعمى، بل عليها أن تمحص الواقعة تمحيص الخبير البصير، وتعيد صياغتها في قالبها القانوني الصحيح، وهي السلطة المضطلعة بها هيئات المحاكم وفقًا للمادة 308 من قانون الإجراءات الجنائية. 

وعلى ذلك، ففي قضية الطبيبة أمنية سويدان حذفت المحكمة الاتهام غير المحدد بنص المادة 25 من قانون مكافحة تقنية المعلومات، وحذفت الاتهام بإذاعة أخبار كاذبة والمؤثم بنص المادة 102 مكرر من قانون العقوبات، وذلك بالتكييف التالي


أولاً: حذف نصوص الاتهام الفضفاضة بحذف المادة 25

عدلت المحكمة القيد والوصف الوارد بأمر الإحالة، ونصت صراحة على حذف ما أوردته النيابة صراحة من اتهام موجه حسب نص المادة 25 من قانون تقنية المعلومات، لعدم تحديد الوصف المستقل أو الفعل الذي يندرج تحت طائلتها. إذ تتضمن المادة العقابية الفضفاضة كما أسلفنا جرائم متناثرة لا رابط بينها، وهي:

  1. الاعتداء على أي من "المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري؛.

  2. انتهاك حرمة الحياة الخاصة.

  3. إرسال كثيف للرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته.

  4. منح بيانات شخص إلى نظام أو موقع الكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته.

  5. القيام بالنشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات، لمعلومات أو أخبار أو صور وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أم غير صحيحة.

ثانيًا: التمييز جريمتي الإذاعة والنشر 

قيدت النيابة العامة الاتهام بالنشر تارة وفقًا للمادة 188 من قانون العقوبات، التي تختص بـ "الجرائم التي تقع بواسطة الصحف وغيرها"، وتارة أخرى بإذاعة الأخبار الكاذبة وفقًا للمادة 102 مكرر من قانون العقوبات المدرجة بالجنح "المضرة بالحكومة من جهة الداخل"، والتي تجرم إذاعة أخبار أو بيانات أو شائعات كاذبة. لكن المحكمة قررت الاكتفاء بالوصف القانوني الأكثر تحديدًا للواقعة، وهو نشر أخبار كاذبة وفقًا للمادة 188، التي تجرم نشر أخبار أو بيانات أو شائعات. أي أنها حذفت إسناد الجريمة الواردة بنص المادة 102 مكرر واتخذت من الحيثيات فرصة لتعرض سبب الاستبعاد كما فعلت عند حذف المادة 25 من قانون مكافحة تقنية المعلومات، فبينت أنها ترى أن ما ينطبق على الواقعة هو النشر وليس الإذاعة.

ظهرت المادة 188 مع صدور قانون العقوبات عام 1937، أما المادة 102 مكرر فأضيفت للقانون عام 1957. وبينما اختصت الأولى بتجريم النشر بإحدى وسائل العلانية وبسوء قصد للأخبار أو البيانات أو الشائعات الكاذبة التي من شأنها تكدير الرأي العام؛ فإن المادة الثانية أضيفت لتجريم ثلاث صور: اذاعة اﻷخبار او البيانات او الشائعات الكاذبة التي من شأنها تكدير الرأي العام، وحيازة أو إحراز محررات أو مطبوعات أو تسجيلات أيًا كان نوعها تتضمن أخبارًا أو بيانات أو إشاعات كاذبة متى كانت هذه المحررات أو المطبوعات أو التسجيلات معدة للتوزيع أو لاطلاع الغير عليها، سواء بالذات أو بالوساطة، والثالثة هي حيازة أو إحراز أية وسيلة من وسائل الطبع أو التسجيل أو العلانية استعملت أو أعدت للاستعمال ولو بصفة وقتية لطبع أو تسجيل أو إذاعة الأخبار أو البيانات أو الإشاعات الكاذبة.

وبينما قررت المحكمة في حكم الطبيبة أمنية سويدان استخدام سلطتها في استبعاد تهمة الإذاعة والاكتفاء بتهمة النشر، فإن هذا التطبيق القضائي يحدث بشكل غير متسق ودون قاعدة متفق عليها أو تبرير. ففي مايو الماضي مثلاً رفض قاضى جنح التجمع الخامس تعديل قيد ووصف الواقعة المنسوبة الى الشاعر أحمد دومة عن واقعة نشره مقالًا في صحيفة الكترونية الى جريمة نشر وفقا للمادة 188 عقوبات بدلاً من جريمة الإذاعة وفقا للمادة 102 مكرر عقوبات كما ورد في أمر الإحالة، ولم تفصح حيثيات الحكم عن أسباب سوى رؤية المحكمة لذلك. 

ويشير هذا التضارب في التطبيق إلى ضرورة إصدار النائب العام لكتاب دوري بتعليمات إلى النيابات بشأن حالات إعمال أي من النصين وفقًا لقصد المشرع عند إصدارها أو السياق التي صدرت في ظله، دون أن ينال ذلك من حتمية إلغاء البرلمان للحبس في كافة جرائم النشر وفقا لأحكام الدستور المصري.
 

 

انتهاك الحظر الدستوري للحبس في جرائم النشر

رغم تعرضها لأقوال سويدان أمام النيابة العامة أثناء استجوابها، وإقرارها بحسن نيتها وأنها لم تكن تقصد أي تشهير أو إساءة بل تحدثت عن تجربتها الشخصية، وإقرارها بالظروف الصعبة التي كانت تمر بها مع استجواب والديها أمام النيابة؛ إلا أن المحكمة أخذت بما أوردته النيابة من غياب الأدلة على ما جاء بشهادة الطبيبة الشابة من وقائع شهدتها بنفسها خلال فترة عملها بالمستشفى، ورأت أن "ما ادعته من أن المستشفى تشهد العديد من المخالفات، وأن معاملة بعض الأطباء والعاملين بها للمرضى تتسم بالقسوة وسوء المعاملة"، لم تُقِم الطبيبة عليه الدليل، وأن مجرد تمسكها بصحة الخبر لا يكفي بذاته لنفي الجريمة؛ "حيث إن الأصل براءة الأشخاص وعلى المدعي إثبات دعواه، وقد خلت الأوراق من دليل يؤيد تلك المزاعم".

ورغم تمسك دفاع الطبيبة بما جاء في العديد من البلاغات المحررة ضد مستشفى الشاطبي والتي وردت فيها وقائع مماثلة لما جاء بمنشوري الطبيبة، وطلب الدفاع وقف الدعوى تعليقيًا لحين الفصل في موضوعها؛ ورغم أن المحكمة لم تنفِ عن الطبيبة حسن النية، ولم تصفها بسوء القصد، ما ينفي علة التجريم بحكم المادة 188 من قانون العقوبات والتي تحدد العقوبة بوقوع النشر من خلال سوء القصد؛ إلا أن المحكمة انتهت إلى الحكم على أمنية، رغم أن حيثيات الحكم أفصحت عن عدم توافر أركان الجريمة التي عاقبتها عليها. بل استنكرت المحكمة تعبير الطبيبة عن رأيها وتجربة عايشتها من خلال النشر، وقررت أن السبيل الوحيد للتعامل مع المخالفات هو إبلاغ جهات التحقيق والجهات الرقابية.

بحسب المادة 71 من الدستور الساري، لا ينبغي أن تُوقَع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية. أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون. مع ذلك، درجت المحاكم - ومن بينها المحكمة التي فصلت في قضية الطبيبة أمنية سويدان- على تجاهُل الأثر الناسخ للنص الدستوري، وتوقيع عقوبة الحبس؛ رغم أن مادة الاتهام - وفقًا لتكييف المحكمة للواقعة- هي المادة 188 المدرجة بالباب الرابع عشر من قانون العقوبات والذي يحمل عنوان "الجرائم التي تقع بواسطة الصحف وغيرها"، ما يجعلها واقعة بجلاء تحت النص الدستوري الذي يقيد الحبس في جرائم النشر.

وعلى الرغم من أن المادة كما تقرر عقوبة الحبس تقرر الغرامة أيضًا؛ تتجاهل أكثر المحاكم توقيع الغرامات وتميل لإصدار أحكام بالحبس، أو الجمع بين العقوبتين، وهو ما حدث في قضية أمنية سويدان التي قررت المحكمة أن تقضي عليها بالعقوبتين؛ الحبس والغرامة، مع وقف تنفيذ عقوبة الحبس فقط.