للدفعة الخامسة.. اختبارات الأكاديمية العسكرية تحرم طلاب مصر من معلميهم

24 سبتمبر 2026

"عاوزة نظام دايت يخسسني خمسة كيلو لأن داخله على الهيئة.. بس من غير ريجيم البيض"، في رسالة أقرب للاستغاثة، كتبت معلمة ممن كنّ يستعدين لخوض الاختبارات الإضافية في الأكاديمية العسكرية تلك الرسالة في واحدة من مجموعات تواصل المعلمين على فيسبوك.

صاحبة الرسالة واحدة من آلاف المعلمين الذين اجتازوا الامتحانات التي عقدها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ضمن الدفعة الخامسة لمسابقة 150 ألف معلم، والتي انتهت آخر فصولها في سبتمبر 2026 بالإعلان عن تعيين 43 ألف معلم/ة فقط، واستبعاد آلاف آخرين من المتقدمين المؤهلين للتدريس، كما يؤشر نجاحهم في اختبارات التنظيم والإدارة، لتستمر أزمة عجز المعلمين التي تعاني منها المدارس العامة. وتداول المستبعدون/ات على مجموعاتهم/ن الخاصة، أنهم علموا أن السبب الأكثر شيوعاً لاستبعاد العديدين منهم هو  الوزن النوعي. 

 قبل إعلان النتيجة، ازدحمت مجموعات تواصل المعلمين على الشبكات الاجتماعية بعشرات الأسئلة على مدار الساعة، مشاركين تجاربهم في اختبارات الأكاديمية العسكرية - التي كانت مسابقات تعيين المعلمين فاتحة تدخلها العلني في شَغْل وظائف الدولة-، ساعين إلى الاستفادة من تجارب الدفعات السابقة لمساعدتهم على تخطي هذه الاختبارات. وتطرقت أسئلة المعلمين المتقدمين للمسابقات إلى كل التفاصيل التي تحدث داخل الأكاديمية، بداية من أسئلة كشف الهيئة، والوزن، ونظم التخسيس السريعة، وصولاً حتى إلى لون الحذاء وخامته، وإن كان مناسبًا للمجئ به الاختبارات أم لا. واستجابة لقلق المتقدمين من شروط اجتياز اختبارات الاكاديمية، تزايدت إعلانات بعض مدربي اللياقة البدنية عن دورات تدريبية متخصصة  لتأهيل المعلمات والمعلمين، والتي بدأ ظهورها على وسائل التواصل الاجتماعي في أعقاب المسابقة الأولى سنة 2023. 

لكن ما هي الحكاية من البداية؟  ما الذي واجه المعلمين خلال رحلتهم مع اختبارات الأكاديمية العسكرية؟ 

مع نهاية 2022 تقدم عشرات الآلاف من المعلمين والمعلمات إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة أملاً في التعيين بوظيفة معلم مساعد بوزارة التربية والتعليم. وقتئذ، أجرى الجهاز امتحاناته المعتمدة لتعيين المعلمين والتي تشمل قياس المهارات التربوية والذهنية للمتقدمين، إضافة إلى قياس المهارات السلوكية، والمهارات اللغوية في اللغتين الإنجليزية والعربية، والقدرات المعرفية والتكنولوجية، إلى جانب قياس مهارات التواصل التي تشمل كيفية إدارة الفصل والإشراف عليه والشرح، وكذلك المهارات الشخصية في إعداد المنهج.

ومن بين عشرات الآلاف من المتقدمات والمتقدمين في المسابقة الأولى، نجح  28 ألفا و170 معلمًا ومعلمة في اختبارات الجهاز المركزي، واجتازوا الكشف الطبي في مستشفيات وزارة الصحة، على النحو الذي تنص عليه اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، في المادة 45 منها. 

بعد ذلك، خاض المتقدمون تدريبات في الإدارات التعليمية، تمهيدًا لاستلام وظائفهم في المدارس بعد انتهائهم من برنامج التأهيل التربوي والذهني والبدني، المقرر بواقع عشرين ساعة خلال أربعة أيام تدريبية، وتلاه برنامج التدريب الذهني ومهارات التواصل، بواقع 12 ساعة خلال ثلاثة أيام.

لكن، عوضًا عن أن يتلقى آلاف المعلمين/ات - العامل كثيرهم/ن بالفعل في وزارة التربية والتعليم بنظام الحصة- رسالة تفيد بانتهاء سنوات العمل غير المُجزي بلا حقوق وظيفية أو تأمينية، والتعيين أخيرًا في الوزارة؛ تلقى الناجحون/ات رسالة تُعلِمهم/ن بضرورة التوجه إلى الأكاديمية العسكرية لإجراء اختبارات إضافية قبل التعيين في قطاع التعليم. ليفاجئ معلمو ومعلمات المسابقة الأولى أن من ضمن تلك الاختبارات تمارين جري وضغط وبطن و"زجزاج"، إضافة إلى اختبارات لقياس الوزن وتقييم المظهر. وهي اختبارات لم يظهر في البيانات الرسمية المتتالية أي تفسير لجدواها أو علاقتها بالعملية التعليمية أو المهارات الوظيفية والشخصية التي يحتاجها المعلمون والمعلمات في عملهم/ن مع الطلاب.

 انتهت إجراءات الأكاديمية العسكرية إلى استبعاد نحو نصف عدد المعلمين والمعلمات المؤهلين، وتراوحت أسباب الاستبعاد بين عدم ملاقاة "الوزن المثالي"، أو بسبب عدم النجاح في الاختبارات الرياضية أو لحمل المعلمة المتقدمة، أو كونها خاضت تجربة الولادة في وقت قريب من وقت الاختبارات البدنية في الأكاديمية. كما لم يتجاوز بعض المتقدمين والمتقدمات كشف الهيئة، وكان هذا سبب استبعادهم الرئيس. وبعدما أثارت أخبار الاستبعاد وأسبابه في الجولة الأولى - في وقت يتفاقم فيه عجز المدرسين بالوزارة - ردود أفعال غاضبة وناقدة، لم تعلن الجهات المتدخلة في مسابقات المعلمين بعد تلك الجولة عن أعداد المستبعدين.  

 بدايةً، يجب الإشارة أن هذه الاختبارات لم تكن معلنًا عنها من بداية الإعلان عن المسابقة في الجولة الأولى. تعلق إحدى المعلمات في مقابلة مع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: "الاختبارات والتدريبات دي كانت غير واضحة بالمرة، ومحدش أعلن عنها خالص مع بداية المسابقة، ولا حد قال لنا عليها أي حاجة خالص. إحنا ما عرفناش غير مؤخرا خالص، بعد اييه بعد التدريب الرياضي التربوي التاني ده في المدرسة، قالولنا على اختبارات الحربية". 

ومع مخالفة اختبارات الأكاديمية العسكرية ونتائجها صريح قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية؛ تقدم عدد من المعلمات والمعلمين المستبعدين خلال الجولة الأولى طعونًا قضائية على قرارات استبعادهم، كانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ممثلة قانونية عنهم خلالها. وعمدت الحكومة إلى إغلاق باب الطعون المثيلة مستقبلاً، بصدور قرار من رئيس مجلس الوزراء برقم 165 لسنة 2025 بتعديل اللائحة التنفيذية للباب السابع من قانون التعليم، لتصبح اختبارات الأكاديمية العسكرية في قلب إجراءات تعيين المعلمين بوزارة التربية والتعليم.

على أننا لو نظرنا إلى تلك الإجراءات من زاوية إفادة العملية التعليمية التي تعاني مشاكل متراكبة من أبرزها العجز المتفاقم للمعلمين؛ فلن نجد منطقًا متماسكًا يقف وراءها، إذ أيها لا يمت بصلة للعملية التعليمية، ولا تساهم في تحسين جودة التعليم أو حتى في تراجعه أكثر مما هو عليه في الواقع. ومع ذلك، فإن سلمنا أن الهدف - غير المعلن- هو الدفع باتجاه الحفاظ على الصحة العامة للمصريين، ما قد يكون هدفًا نبيلاً؛ فإن السبيل لتحقيقه لا يكون بإكراه الناس في سبيل لقمة عيشهم على الامتثال لمعايير صحية يعدها من يفرضونها مثالية، بل بالنظر إلى الأسباب التي تؤدي إلى تراجع مؤشرات الصحة العامة ومعالجتها.  فعند النظر إلى الإحصائيات الدولية المعنية بالصحة، نلاحظ مؤشرات مرتفعة في السمنة عند قطاع كبير من المصريين، إذ تشير أحدث البيانات المنشورة عن  الاتحاد العالمي للسمنة في 2022 إلى انتشار السمنة بين المصريات بنسبة 55.8% بينما تظهر بين الرجال بنسبة24,8%.  

كل ذلك يجب أخذه في الاعتبار عند الحكم على مسألة زيادة وزن لمعلمين والمعلمات المستبعدين/ات من المسابقة بسبب أوزانهم/ن. يضاف إلى ذلك ضرورة فهم الصلة المباشرة بين الفقر وسوء التغذية في مصر التي تأتي السمنة ضمن تمثلاتها. لذا فإن إغفال هذه العوامل وتحميل الأفراد وحدهم المسؤولية عن معاناتهم السمنة؛ يعد إغفالا عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسات العامة التي أدت بهم إلى معاناة مضاعفات سوء التغذية، ومن ثم عقابهم عليها بحرمانهم من حقوقهم الوظيفية وإخضاعهم للتمييز الذي يجرمه الدستور والقانون.

تقول إحدى المعلمات المشاركات في الدفعة الأولى من مسابقة 150 ألف معلم ممن خضن اختبارات الأكاديمية العسكرية في مقابلة مع المبادرة المصرية: "الاختبار الذي قمت به لم يكن له أي علاقة بوظيفتي أو مجال عملي. كان اختبار تعجيزي لم افهم ما وجه الترابط بينه وبين ما قدمنا لأجله، وأيضا تدريبات وشروط الحربية ما علاقتها بطبيعة عملنا؟ كنت أعمل لسنوات في مدرسة خاصة تابعة للحكومة، لماذا لم يعترض أحد علي وزني وقتها أو يطلب مني تلك المعايير؟".

حالة هذه المعلمة المستبعدة رغم عملها لسنوات في الوزارة ليست حالة فريدة، إذ أن كثير من المستبعدين والمستبعدات بعد اختبارات الأكاديمية العسكرية يعملون بنظام الحصة في مدارس الوزارة. وبالرجوع إلى  لقاء متلفز مع وزير التعليم الحالي، محمد عبد اللطيف، أذيع في ديسمبر 2025، ذكر عبد اللطيف أن قطاع التعليم الحكومي يضم نحو 160 ألف معلم (ومعلمة) يعملون بنظام الحصة. هذا إلى جانب أعداد لم يحددها من المعلمين والمعلمات العاملون/ات في المدارس الخاصة بنظم تعاقد شبيهة بنظام الحصة، أي بلا حقوق وظيفية أو تأمينات.

ومن السهل أن نقرأ من خلال تلك التصريحات أن أوزان المعلمين والمعلمات - الذين تستفيد بهم الوزارة في تغطية عجز المدرسين عبر تشغيلهم بالحصة- لم يؤثر على جودة العملية التعليمية، بل ربما ساهم في إنقاذها بالعديد من المدارس، خصوصًا الحكومية، بسد نسبي لفراغ المعلمين الذي تراكم عبر سنوات حتى بلغ 665 ألف معلم/ة.

لذلك فإن التركيز عن معايير ظالمة مثل الوزن - على أنها غير قانونية ومخالفة للدستور الذي يحظر التمييز-، وتجاهل الخبرة والكفاءة؛ هو بالضرورة في غير صالح العملية التعليمية. بل إنه في الحقيقة، يزيد من تعقيد الأمور. 

لم يتوقف تصنيف المعلمين واستبعادهم عند مسألة الوزن وحدها، بل تعرض المعلمون لانتهاك خصوصيتهم عند تلقيهم أسئلة عن أوضاعهم الطبية غير المتصلة بأداء وظائفهم، والتي ليس من شأنها التاثير على قدرتهم البدنية على أداء واجبهم الوظيفي حال التعيين، منها على سبيل المثال: "هل تعاني من خصية واحدة أو ضامرة أو كلية حوضية؟" و"هل أجريت عملية جراحية بالجهاز البولي أو التناسلي؟" وكذلك "هل أجريت عملية لاستئصال جزء من المعدة أو ا لكبدة أو البنكرياس أو الطحال والكلى والغدة فوق الكلوية أو القولون أو الشرج؟".

واجه المعلمون تلك الأسئلة على الرغم من نجاحهم في اجتياز الاختبار الطبي المؤهل للتعيين الذي يُجرى في المستشفيات الحكومية بمعرفة وزارة الصحة، ضمن إجراءات مسابقة الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة. ومن ثمّ؛ يظل التساؤل قائمًا: ما جدوى هذه الأسئلة وما مدى ارتباطها بأداء المعلم داخل الفصل؟

في النهاية، يظل وضع استمرار العجز في المدارس مع بداية عام دراسي جديد قرر الوزير زيادة عدد أيامه، واتخذ إجراءات تضمن انتظام حضور الطلاب خلاله، أمرًا يستدعي إعادة التفكير في مدى أهمية هذه الاختبارات التي تجريها الأكاديمية العسكرية. كونها لا تتعلق بتطوير مهارات المدرسين التربوية ولا تدفع إليها، أو تتناول أساليب  التعامل مع الطلاب داخل الفصول، وما إلى ذلك من أمور يجب أن يعرفها المعلم/ة أو تعمل على تطويرها الأكاديمية، وهي الجوانب الأولى بالرعاية في إعداد المعلم والمعلمة. 

فالمعلم هنا ليس مُدرِّسًا للتربية الرياضية، حتى تُعطى أولوية تكاد تكون مطلقة لمهاراته وقدراته البدنية معيارًا لقياس الكفاءة والأهلية، خصوصًا مع كون المتقدمين جُلّهم ممن يمارسون وظيفتهم وخبروها منذ سنوات وفق نظام الحصة وغيره من نُظم العمل المؤقتة في وزارة التربية والتعليم. وهو ما تؤكده في منشور لها معلمة لمادة الرياضيات، تعمل في مجال التدريس منذ أحد عشر عامًا وكانت بين من استبعدتهم الأكاديمية العسكرية في الدفعة الخامسة من المتقدمين بعد اختباراتها المعتادة. موضحة أنها رغم السنوات الطويلة التي قضتها في مهنة التدريس، ورغم فقدانها للكثير من الوزن وبعد وضعها طفلها مؤخرًا - مع ما يحمله ذلك من أضرار على صحتها وصحة رضيعها- إلا أنها استُبعِدت دون ذكر أسباب واضحة.

وتختصر  إحدى المعلمات أثر التجربة بقولها: "معنويا محبطة للغاية، فبعد وجود أمل كبير وسعي أكبر لوظيفة الأحلام، تبخرت. وماديًّا، دفعت مبالغ كبيرة طوال فترة المسابقة، سواء في إجراءات المسابقة والورق المطلوب أو في السفر وخلافه، وخسرت وظيفتي التي كنت أعمل بها لمدة خمس سنوات، فأصبحت عاطلة عن العمل بين ليلة وضحاها. وبدنيا مرهقة للغاية من كل السعي دون جدوى".